كيف ينعكس قرار أفغانستان وقف تجارتها مع باكستان على الاقتصاد الباكستاني؟
تجدّدت الأزمة بين باكستان وأفغانستان بعدما بلغت العلاقات بين البلدين مستوى غير مسبوق من التوتر خلال الأسابيع الماضية، عقب اشتباكات حدودية دامية عند معبر طورخم أدت إلى مقتل العشرات قبل أن تتوقف بوساطة قطرية-تركية. ورغم جهود التهدئة، فشلت جولات الحوار الأخيرة في التوصل إلى حلول دائمة، ما مهّد لتصعيد اقتصادي حاد بين الجانبين.
تحوّل أفغاني جذري في المسارات التجارية
مع استمرار تعثر المفاوضات—وخاصة بعد فشل الجولة الثالثة في إسطنبول—أعلنت كابل تغييراً كبيراً في سياستها التجارية، داعية التجار الأفغان لإنهاء تعاملاتهم مع باكستان والبحث عن طرق بديلة للاستيراد والتصدير. وأمهلت الحكومة الأفغانية مستوردي الأدوية ثلاثة أشهر لقطع علاقاتهم التجارية مع باكستان، منتقدة تدني جودة الأدوية القادمة منها، وطالبت إسلام آباد بضمانات تمنع إغلاق طرق التجارة مستقبلاً.
في المقابل، أكدت الخارجية الباكستانية نهاية أكتوبر/تشرين الأول أن جميع المعابر مع أفغانستان مغلقة لأسباب أمنية، وأن إعادة فتحها مرهون بإجراءات أفغانية ضد "الجماعات المسلحة" التي تستهدف باكستان انطلاقاً من الأراضي الأفغانية.
ومع إعلان كابل وقف تجارتها مع باكستان، تحرك وزير التجارة الأفغاني نور الدين عزيزي نحو بدائل جديدة، بدأت بزيارة إيران لبحث استخدام ميناء تشابهار—المطوّر بالشراكة مع الهند—كممر رئيسي للتجارة، ثم زيارة نيودلهي لتعزيز الروابط التجارية وتفعيل الميناء الإيراني كنافذة بديلة.
تبادلات تجارية شديدة التقلب
تُعد باكستان أكبر شريك تجاري لأفغانستان، إذ تمثل الوجهة الأولى لصادراتها وثالث أكبر مصدر لوارداتها، وخاصة عبر معبري طورخم وشامان. وتصدّر باكستان لأفغانستان الأغذية، والأدوية، والأسمنت، والمنسوجات، بينما تستورد منها الفواكه والمكسرات والخضراوات والمعادن.
ووفق بيانات مجلس الأعمال الباكستاني، بلغت صادرات باكستان إلى أفغانستان 1.14 مليار دولار عام 2024، بينما شهدت وارداتها من أفغانستان تقلبات واسعة، إذ وصلت ذروتها عند 880 مليون دولار في 2023 قبل أن تتراجع العام الماضي.
انعكاسات مباشرة على الأسواق الباكستانية
يقول الخبير سلمان جاويد إن ما تصدره باكستان لأفغانستان يمثل نحو 20٪ من صادراتها الإقليمية من الأغذية والأدوية، لكنه لا يشكل سوى 3–5٪ من إجمالي صادرات البلاد. ويرى أن الخسائر المتوقعة خلال 6 أشهر—والتي تتراوح بين 400 و700 مليون دولار—رغم أنها مؤلمة للمصدرين، فإنها قابلة للإدارة على مستوى الاقتصاد الكلي.
وتتركز الأضرار في دقيق القمح والأرز والمنتجات الطازجة والأدوية منخفضة التكلفة، حيث تتعرض المصانع الدوائية لتأخير في المدفوعات وتعطل في خطوط الإنتاج، دون أن يصل ذلك إلى مستوى تهديد الاستقرار الاقتصادي الأوسع.
في المقابل، يرى الخبير شهاب يوسفزي أن الصدمة أكبر بكثير، إذ تقدّر خسائر الصادرات الفورية بأكثر من 900 مليون دولار، ما يهدد سلاسل التوريد ومعدلات الإنتاج الصناعي، وقد يؤدي إلى انكماش بنسبة 3–5٪ في القطاعات المتضررة وفقدان نحو 14 ألف وظيفة، خصوصاً في خيبر بختونخوا وبلوشستان والمناطق الحدودية.
خيارات باكستان للتعامل مع الأزمة
يرى الخبراء أن أمام باكستان أدوات لتخفيف آثار الأزمة، أبرزها:
إعادة توجيه حوافز التصدير إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى، خصوصاً للأدوية والأسمنت والمنتجات الزراعية.
تقديم إعفاءات ضريبية وتمويل ميسر لدعم الشركات المتوسطة والصغيرة في المناطق الحدودية.
استثمار نمو صادرات الأدوية التي ترتفع بنسبة 34٪ سنوياً، وتوجيه قدرات الخدمات اللوجستية في كراتشي نحو موانئ الخليج وأفريقيا.
تعزيز التنسيق الفني والدبلوماسي عبر سلطات الجمارك واللجان الحدودية لإعادة بناء حركة التجارة دون تنازلات سياسية.
ويختتم جاويد بأن باكستان قادرة على التكيف مع تراجع تجارتها مع أفغانستان، بينما ستجد كابل صعوبة أكبر في الاستغناء عن الممرات الباكستانية سواء من حيث الكلفة أو القدرة الإنتاجية أو البنية اللوجستية.
أما يوسفزي فيؤكد وجود مسارات بديلة لمعالجة الوضع، من بينها استهداف أسواق جديدة للأغذية والأدوية، وتقديم حوافز تصديرية مؤقتة، إضافة إلى استئناف الحوار مع كابل والوسطاء الإقليميين لإعادة فتح المعابر.