من يعذب بعد الموت… الروح أم النفس؟.. الإفتاء توضح
عند موته، يفارق الإنسان جسده فتتبدل حاله بين الدنيا والآخرة، لكن يبقى السؤال: هل العذاب — أو النعيم — يقع على "الروح" وحدها؟ أم على "النفس" (الجسد والروح معًا)؟
في هذا التقرير نسلّط الضوء على توضيح دار الإفتاء المصرية، وما يقوله العلماء المتخصصون في هذا الشأن، مع توضيح المفاهيم والاحتمالات بناءً على نصوص شرعية وأقوال أهل العلم.
الروح والنفس
توضح دار الإفتاء أن لفظي «الروح» و**«النفس»** قد يأتي كل منهما محل الآخر في نصوص شرعية، لكن ذلك غالبًا بمجاز لا حقيقة، لأن لكل منهما دلالة مختلفة بحسب السياق.
الروح كما عرفتها الدار: هي «سرّ الحياة»، وجوهرٌ نورانيٌّ خلقه الله تعالى ونفخَه في الإنسان، وهو ما سأل عنه اليهود في القرآن بقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85].
أما النفس فيُقصد بها غالبًا الكيان الكامل للإنسان: الجسد + الروح + ما يعتمل بداخله من مشاعر وعقل ووجدان.
بالتالي، فالفصل بين الروح والنفس أمر ممكن في المفهوم، لكن التطبيق العملي للنصوص الشرعية قد يمدّهما كليهما بمعانٍ متداخلة أحيانًا.
ماذا يحدث بعد الموت؟
عند وفاة الإنسان، تفارق الروح جسده، لكن هذا لا يعني انتهاء دور الروح أو زوالها، دار الإفتاء تُبيّن أن الروح لا تُقسم إلى أجزاء تُعرف، وأن علم حقيقتها مقصور على الله تعالى.
بحسب العقيدة الإسلامية كما تعرضها دار الإفتاء وتقاليد أهل السنة، تنتقل الروح إلى البرزخ (العالم بين الحياة والموت)، حيث قد تُنعّم أو تُعذب بحسب ما عمل الإنسان في دنياه.
السؤال هنا: هل يقع العذاب على الروح فقط، أم على الجسد كذلك بالرغم من تفكّكه؟ العلماء من أهل السنة على أن العذاب أو النعيم في القبر — بحسب ما ورد من أحاديث صحيحة — يشمل الروح أولًا، وقد يأثر أيضاً على الجسد إن بقي على قيد الربط بينهما، أو يكون له أثر عليه عندما يُبعث.
من يقع عليه الجزاء؟
تُبيّن كتب الفقه والعقيدة أن مبدأ الجزاء — سواء في نعيم القبر أو عذابه — يشمل الروح باعتبارها ذات الحياة الأولى بعد الموت، وهي التي يعذبها أو ينعم بها حال البرزخ.
وفي كثير من التفاسير والمذاهب يُعتبر أن الروح قد ترتبط بالجسد أو تؤثر عليه أحيانًا، فيشعر الجسد بما تشعر به الروح، أو يكون إعادة روح للبدن عند البعث سببًا لمسؤولية الجسد عن أعماله.
وبناءً عليه:
من مات مؤمنًا، تُنعَّم روحه في البرزخ، وقد يُنعم جسده معها — بحسب ما شاء الله.
من استحق عذاب القبر بـذنوب كبرى — بحسب نصوص صحيحة — تُعذَّب روحه، وقد يحصل تعذيب للجسد إذا كان الربط قائمًا أو عند البعث.
أما الجزاء الكامل — نعيم الجنة أو عذاب النار الدائم — فلكل النفس (الجسد + الروح) عند يوم القيامة، حين تُعاد الأرواح إلى الأجساد.
لماذا هذا الخلاف؟ وماذا نعرف من الدين؟
لأن المسألة غيبية بحتة، لا تُدرَك بالحواس، وليست كلها مفهومة للعقل البشري: قال تعالى عن الروح: ﴿مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]، ومع ذلك أمرنا بالإيمان بها.
وأجمع أهل العلم من مذاهب أهل السنة على حقيقة عذاب ونعيم القبر، وعدم إنكاره، لأن هذا حق وارد في النصوص الشرعية.
ورغم اختلاف الألفاظ (روح / نفس)، غالبًا ما يكون المقصود واحدًا في السياقات الشرعية: الجزاء بعد الموت، وحساب الأعمال، والبرزخ، والقيامة.
العذاب والمكافأة بعد الموت
بناءً على فتاوى دار الإفتاء وآراء أهل العلم:
الروح هي الأساس بعد الموت: هي التي ينتقل بها الإنسان إلى البرزخ، ويُحاسب عليها أولًا، إما نعيمًا أو عذابًا.
الجسد قد يُشترك في الجزاء إذا كان الربط قائمًا، أو عند البعث يوم القيامة.
الجزاء الكامل — نعيم الجنة أو عذاب النار الأبدي — للنفس كلها (جسد + روح) بعد البعث، حين تُعاد الروح إلى الجسد وتُبعث النفوس للجنة أو النار.