حكم شرب الخمر من أجل التدفئة
أكدت دار الإفتاء المصرية أن تناول الخمر من أجل التدفئة حرامٌ شرعًا، وإن لم يقصد الشاربُ السكْرَ ولا وصل إلى حدِّ السكْر؛ فالمُسْكِر قليلُهُ وكثيرُهُ حرامٌ، والتدفئة كما تحصل بتناول المحرَّم تحصل بغيره من المباحات، فلا ضرورة حينئذٍ تُرخِّص في تناول المحرمات، والضرورة هي التي إن لم يفعلها الإنسان هَلَكَ أو اقترب من الهلاك.
شرب الخمر:
قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]، وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ».
بيان حكم الخمر المصنوع من غير العنب:
والخمر يتناول كل شراب مسكر، سواء أكان من العنب أم من غيره، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء، ويدل على ذلك ما جاء في "البخاري" عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خطب عمر رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، والخمر ما خامر العقل".
وما رواه البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كنت أسقي أبا عبيدة، وأبا طلحة، وأُبَيَّ بن كعب من فضيخ زهو وتمر، فجاءهم آتٍ، فقال: إن الخمر قد حُرِّمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها، فأهرقتها". والفَضيخ: شراب يتَّخذ من البُسْر -ثمر النَّخل قبل أَن يرطب- من غير أَن تمسه النَّار، والزَّهْو: البُسْر الذي يحمرُّ أو يصفرُّ قبل أن يترطب.
حرمانية الخمر:
ولقد حُرِّمَ الخمر بالمدينة، وكانت صناعته من البُسر والتمر؛ فلقد روى البخاري عن بكر بن عبد الله أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدثهم: "أن الخمر حرمت، والخمر يومئذٍ البسر والتمر".
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (10/ 49، ط. دار المعرفة): [قال القرطبي: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها وكثرتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب وللسنة الصحيحة وللصحابة؛ لأنهم لمَّا نزل تحريم الخمر فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره، بل سوَّوا بينهما وحرموا كل ما يسكر نوعه، ولم يتوقفوا ولا استفصلوا ولم يشكل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردد لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا ويستفصلوا ويتحققوا التحريم، لمَّا كان مقررًا عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلما لم يفعلوا ذلك وبادروا إلى الإتلاف علمنا أنهم فهموا التحريم نصًّا فصار القائل بالتفريق سالكًا غير سبيلهم.
وانضاف إلى ذلك خطبة عمر رضي الله عنه بما يوافق ذلك وهو ممن جعل الله الحق على لسانه وقلبه، وسمعه الصحابة وغيرهم فلم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك، وإذا ثبت أن كل ذلك يسمى خمرًا لزم تحريم قليله وكثيره.