الاتحاد الأوروبي يعيد رسم خريطة تنظيم التكنولوجيا.. تعديلات كبرى على قوانين الذكاء الاصطناعي والخصوصية تثير الجدل
يبدو أن أوروبا تستعد لمرحلة جديدة من التعامل مع صناعة التكنولوجيا، مرحلة قد تُعيد صياغة العلاقة بين الابتكار والتنظيم داخل الاتحاد الأوروبي. ففي خطوة جريئة وغير مسبوقة، اقترح صانعو السياسات الأوروبيون حزمة تعديلات تشريعية واسعة تشمل قوانين الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والبيانات والخصوصية، ما يمهّد لتحولات عميقة في بيئة العمل التكنولوجية داخل القارة.
هذه المقترحات، التي قدمتها المفوضية الأوروبية، تأتي في وقت شهدت فيه الأشهر الماضية توترًا واضحًا بين الاتحاد الأوروبي وعدد من شركات التكنولوجيا العملاقة مثل جوجل ومِيتا، اللتين أعربتا عن مخاوفهما من القيود الصارمة المفروضة على استخدام الذكاء الاصطناعي وحماية البيانات. ومع ذلك، إذا تم اعتماد الحزمة الجديدة، فسيتم تخفيف العديد من هذه القيود، أو إعادة صياغتها بشكل يُسهّل على الشركات الابتكار والنمو داخل السوق الأوروبي.
وتؤكد المفوضية أن التعديلات المقترحة ستساعد في تحفيز الشركات الأوروبية على المنافسة، مع الحفاظ على ما تصفه بـ"أعلى معايير أوروبا للحقوق الأساسية وحماية البيانات والسلامة والإنصاف". وتشمل هذه التعديلات تغييرات جوهرية على قانون الذكاء الاصطناعي — وهو القانون الذي أثار انتقادات من عمالقة التكنولوجيا — بحيث يُسمح لشركات تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي بالوصول إلى بيانات شخصية مشتركة واستخدامها في التدريب، وهو تحول كبير عن التوجه السابق الذي كان يمنع أو يقيّد هذه الممارسة بشكل صارم.
وتسعى المفوضية أيضًا إلى تبسيط الإجراءات البيروقراطية أمام الشركات الصغيرة، وتطالب الدول الأعضاء باعتبار الإلمام بالذكاء الاصطناعي شرطًا أساسيًا في منظومتها المعرفية والإدارية. كما يُخطط لإعطاء دور مركزي لمكتب الذكاء الاصطناعي ليكون الجهة المسؤولة عن الإشراف على النماذج العامة الاستخدام، في محاولة لـ"تقليل تجزئة الحوكمة" التي يعاني منها الاتحاد حاليًا.
وفي تطور لافت، تقترح المفوضية تأجيل تطبيق القواعد الأكثر صرامة المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات عالية الخطورة، والتي كان مقرراً دخولها حيز التنفيذ في الصيف المقبل. ويعزو الاتحاد هذا التأجيل إلى الحاجة للتأكد من توفر المعايير الفنية وأدوات الدعم اللازمة للشركات قبل البدء في التطبيق.
أما أحد التغييرات الأكثر قربًا للمستخدمين، فهو المتعلق بواحدة من أكثر المظاهر إزعاجًا في تجربة الإنترنت الأوروبية:
لافتات ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز).
فقد أعلنت المفوضية أنها بصدد مراجعة هذه اللافتات التي تُعد جزءًا أساسيًا من لائحة حماية البيانات GDPR. وبموجب المقترح الجديد، سيظهر للمستخدمين عدد أقل بكثير من هذه النوافذ المنبثقة، وستُختصر الموافقة على ملفات تعريف الارتباط بنقرة واحدة، مع حفظ التفضيلات داخل المتصفح لتطبيقها تلقائيًا على المواقع المختلفة. هذه الخطوة، إن تم تنفيذها، ستغير بشكل كبير تجربة المستخدم عبر الإنترنت داخل أوروبا.
لكن رغم أن هذه المقترحات توفر ما يبدو أنه دفعة قوية لصناعة الذكاء الاصطناعي سريعة النمو، إلا أنها تُعرض الآن على البرلمان الأوروبي، حيث من المتوقع أن تواجه خلافات حادة ومعارضة قوية. إذ يخشى البعض أن تكون هذه الخطوات تنازلاً من الاتحاد الأوروبي أمام ضغوط شركات التكنولوجيا الكبرى، وحتى ضغوط سياسية من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي انتقد مرارًا التشريعات الرقمية الأوروبية.
ويشير مراقبون إلى أن التعديلات المقترحة تمثّل تحولًا ملحوظًا في سياسة الاتحاد الأوروبي، الذي لطالما اشتهر بأنه "الأكثر صرامة" في مواجهة تجاوزات شركات التكنولوجيا. ففي سبتمبر الماضي، رفض الاتحاد دعوات آبل لإلغاء قانون الأسواق الرقمية (DMA)، وفي الصيف الماضي رفضت ميتا التوقيع على مدونة ممارسات الذكاء الاصطناعي، معتبرة إياها "متجاوزة" وغير قابلة للتطبيق.
ومع استمرار النقاش داخل أروقة البرلمان، يبقى السؤال الأكبر مطروحًا:
هل تشكل هذه المقترحات بداية مرحلة أكثر مرونة تشجع الابتكار داخل أوروبا؟ أم أنها بداية تخلي الاتحاد الأوروبي عن دوره كحارس صارم لحقوق المستخدمين والخصوصية الرقمية؟
الإجابة لن تظهر قبل أشهر، لكن المؤكد أن مستقبل تنظيم التكنولوجيا في أوروبا يقف اليوم أمام نقطة تحول تاريخية.