بين تفاهمات محتملة وتحركات ميدانية
الساحل السورى يغلى احتجاجا.. وروسيا تعود إلى الواجهة جنوبا
اندلعت احتجاجات واعتصامات فى اللاذقية وطرطوس، أمس، وسط انتشار أمنى مشدد، حيث رفع المحتجون شعارات تطالب باللامركزية والإفراج عن المعتقلين الذين احتجزوا بعد سقوط نظام بشار الأسد المخلوع. وشهدت اللاذقية وقفتين فى دوار الزراعة ودوار الأزهرى حمل المشاركون فيهما لافتات تدعو لوقف القتل وتعزيز اللامركزية، إلى جانب شعارات ترفض الإرهاب والسلاح المنفلت.
جاءت هذه التحركات استجابة لدعوة الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامى العلوى الأعلى، الذى نشر بيانا مصورا وجه فيه اتهامات للسلطة بالتحريض الطائفى، محذرا من تحول سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات. وأكد أن الطائفة العلوية لم تمنح الانتماء الطائفى أى وزن، وأن أبناءها سلموا السلاح للدولة قبل أن يجدوا أنفسهم تحت سلطة أمر واقع وصفها بالإرهابية التكفيرية.
واتهم «غزال» السلطة باستخدام المكون السنى كأداة فى سياساتها، مؤكدا أنه لا وجود لحرب بين العلويين والسنة، وداعيا جميع الأطراف لتجنب تحويل الخلافات إلى صراعات وجودية. وطرح مجموعة من الحلول بينها الفدرالية واللامركزية السياسية كمسار يمنع تفكك البلاد ويضمن توزيع الصلاحيات.
كما دعا أبناء مختلف الطوائف إلى اعتصامات سلمية لمواجهة الإرهاب ووقف آلة القتل، فى تزامن مع دعوات مشابهة صدرت من السويداء ووجدت صدى لدى ناشطين فى مناطق أخرى.
فى سياق مختلف كشفت القناة الإسرائيلية 14 عن تقديرات أمنية فى تل أبيب تشير إلى أن موسكو تستعد لطرح ملف إعادة انتشار قواتها العسكرية فى جنوب سوريا خلال محادثات مرتقبة مع إسرائيل، وذلك عقب الاتصال الذى جرى قبل نحو عشرة أيام بين الرئيس الروسى فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو. ونقلت القناة أن النقاش بين الجانبين تناول خطوات تهدف إلى إرساء الاستقرار فى سوريا
ووفق ما ذكرته القناة، لا يقتصر الطرح الروسى المتوقع على إعادة الانتشار فقط، بل يشمل أيضا طلبا لنقل معدات عسكرية جديدة إلى دمشق، فى ظل الدمار الكبير الذى لحق بمخزون الجيش السورى بعد عملية سهم الباشان التى نفذتها إسرائيل عقب سقوط نظام الأسد المخلوع. وشملت العملية مئات الغارات الجوية الإسرائيلية التى أدت إلى تدمير نحو 80% من قدرات القوات البرية والبحرية والجوية السورية، إضافة إلى استهداف مواقع تخزين أسلحة متقدمة وأنظمة دفاع جوى وصواريخ موجهة وطائرات ومروحيات ودبابات وسفن حربية.
وذكرت هيئة البث الإسرائيلية كان أن مصدرا سوريا مقربا من الحكومة قال إن موسكو تقدمت خلال الأشهر الماضية بمقترح لدمشق يقضى بعودة الدوريات الروسية إلى المنطقة الحدودية لتعمل كقوة فصل بين القوات السورية والإسرائيلية، بينما لم توافق الحكومة السورية بعد على الطلب ولا يزال المقترح قيد النقاش. وأشار مصدر سورى آخر إلى أن إدخال الوجود الروسى جنوب سوريا ضمن أى تفاهم أمنى محتمل بين دمشق وتل أبيب ليس مستبعدا، خاصة مع تكثيف الاتصالات السياسية بين موسكو وإسرائيل.
ولم تُظهر إسرائيل سابقا اعتراضا على النفوذ الروسى فى سوريا، حيث سبق للقوات الروسية أن انتشرت ضمن ثمانى نقاط عسكرية فى منطقة فض الاشتباك على طول الحدود بين الجولان المحتل ومحافظة القنيطرة. وحتى الآن لم يصدر تعليق رسمى من موسكو أو تل أبيب أو دمشق بشأن ما نشرته وسائل الإعلام الإسرائيلية.
وجاءت هذه التقارير بعد أيام من جولة ميدانية أجراها وفد عسكرى روسى سورى فى جنوب سوريا، شملت عددا من النقاط والمواقع العسكرية فى إطار التعاون القائم بين الجانبين، بحسب وكالة سانا. وقال مصدر من محافظة القنيطرة إن رتلا مكونا من نحو 30 سيارة يعتقد أنه روسى سورى وصل فى ذلك اليوم، وسلك الطريق الغربى للقنيطرة الذى يعد طريقا شبه مقطوع بسبب الوجود العسكرى الإسرائيلى والرصد المستمر للمنطقة.
مر الرتل عبر قرى بئر عجم وبريقة ورويحينة وأم العظام والقحطانية ودوار العلم والحميدية، وهى بلدات تتوغل فيها القوات الإسرائيلية بشكل شبه يومى. وتوقفت السيارات فى منطقتين كانتا من أبرز نقاط الانتشار الروسى فى عهد النظام المخلوع، هما الناصرية التى كانت تضم قاعدة روسية، والحيران التى تواجد فيها ضباط روس سابقا وتقع على مسافة تقارب ثلاثة كيلومترات من خط الحدود. ووفق المصدر لم يُسجل أى نشاط واضح فى تلك المواقع.
وتعود أهمية النقاط الروسية فى الجنوب إلى أنها تمثل جزءا من مواقع فض الاشتباك التى أنشئت خلال السنوات الماضية. وكانت وكالة روسية قد نشرت تقريرا تحدث عن افتتاح نقطة تل أحمر قرب منطقة الفصل بين الجيشين السورى والإسرائيلى بهدف حماية المنطقة من اختراقات محتملة وسط التوتر المتصاعد فى سوريا ولبنان وفلسطين وإسرائيل. وذكر نائب قائد القوات الروسية فى سوريا ألكسندر روديونوف أن روسيا افتتحت ثمانى نقاط مراقبة خلال عامين.
كما أعادت روسيا تسيير دورياتها فى الجنوب السورى بعد غياب استمر أكثر من عام، إذ تجولت دورية روسية بين المعلقة وغدير البستان قرب سرية الصفرة التابعة للواء 90 جنوبى المحافظة.
وفى ظل هذا الحراك الروسى المتجدد، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الدور الذى تسعى موسكو إلى تثبيته فى الجنوب السورى، وما إذا كانت هذه الخطوات تأتى ضمن تفاهمات قيد التشكل مع تل أبيب، خصوصا بعد الانهيار شبه الكامل لقدرات النظام السورى المخلوع عقب الأحداث العسكرية الكبرى فى أواخر 2024.