بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الجو فى مصر..تاتي الرياح بما لاتشتهي السفن

بوابة الوفد الإلكترونية

ظاهرة كل خريف.. تعيد ذكريات السحابة السوداء

ركود الرياح يرفع الملوثات مؤقتا ويشعل الإحساس بالدخان

خبراء: على كبار السن ومرضى الصدر تجنب الخروج وقت الذروة

 

فى الأيام الأخيرة ساد شعور عام بين المواطنين بوجود رائحة دخان غريبة فى الجو، وانتشرت تساؤلات عبر مواقع التواصل الاجتماعى حول عودة ما يعرف بـ«السحابة السوداء» التى لطالما أرقت سماء القاهرة الكبرى ومحافظات الدلتا فى سنوات سابقة، بينما أكد البعض أن الهواء أصبح أثقل وأن الرؤية تأثرت نسبيا فى بعض المناطق، أرجع آخرون الأمر إلى حرق قش الأرز فى الحقول مع نهاية موسم الحصاد، ما أعاد للأذهان صورا مألوفة من سنوات مضت عندما كانت الأدخنة تغطى سماء المدن وتثير المخاوف الصحية والبيئية.

خبراء البيئة

خبراء البيئة والمناخ أكدوا أن ما يلحظه الناس من تغير فى رائحة الهواء أو إحساس بالاختناق ليس بالضرورة مؤشرًا على أزمة تلوث جديدة، بل هو نتيجة لظاهرة مناخية طبيعية تتكرر فى مثل هذا الوقت من العام، وتؤثر على حركة الرياح وتجدد الهواء فى الطبقات القريبة من سطح الأرض.

فخلال شهرى أكتوبر ونوفمبر تحديدًا، تتبدل الأنظمة الجوية بين فصول الصيف والشتاء، ما يؤدى إلى ما يُعرف بظاهرة «ركود الرياح» أو (Stagnant Wind)، وهى حالة من السكون الجوى تجعل الملوثات العالقة فى الهواء تبقى لفترة أطول دون أن تتبدد، فيزداد الإحساس بوجود الدخان أو الغبار حتى وإن لم تكن هناك مصادر تلوث جديدة.

حالة قلق

فى ظل هذه الحالة التى أثارت قلق المواطنين مجددًا، كان لا بد من العودة إلى المتخصصين لتوضيح الصورة بدقة علمية، وبيان ما إذا كانت البلاد تواجه بالفعل عودة للسحابة السوداء، أم أننا أمام ظاهرة طبيعية موسمية لا تدعو للقلق.

ظاهرة طبيعية موسمية

قال د. ياسر حسن إبراهيم، أستاذ تلوث الهواء بالمركز القومى للبحوث استشارى تقييم الأثر البيئى وأمين اللجنة الدائمة لعلوم البيئة بوزارة البحث العلمى والتعليم العالى، إن ما يشعر به المواطنون خلال الأيام الماضية من رائحة دخان أو إحساس بتلوث فى الجو لا علاقة له بما يُعرف بـ«السحابة السوداء»، موضحًا أن هذه الظاهرة انتهت فعليًا منذ سنوات بفضل خطط وزارة البيئة التى نجحت فى السيطرة عليها بشكل شبه كامل.

وأوضح «إبراهيم» أن الفترة الممتدة من نهاية سبتمبر وحتى نهاية نوفمبر من كل عام تشهد حالة جوية طبيعية تُعرف بظاهرة ركود الرياح (stagnant wind)، حيث تكون سرعة الرياح شبه منعدمة، مما يؤدى إلى تراكم الملوثات فى الهواء وعدم تجدد الهواء الجوى. وأضاف: «الأمر يشبه أن تكون داخل غرفة مغلقة دون تهوية، فكل الملوثات تتركز فوق بعضها، سواء كانت غبارًا أو أدخنة أو جسيمات عالقة، ما يجعل الإحساس بها أعلى من المعتاد».

قش الأرز

أكد الخبير البيئى أن الظاهرة طبيعية تمامًا وليست مفتعلة أو مرتبطة بأى نشاط بشرى محدد، مشيرًا إلى أن وزارة البيئة تمتلك شبكة موسعة من محطات الرصد تعمل على مدار الساعة، لرصد جودة الهواء فى مختلف المحافظات بالتعاون مع المركز القومى للبحوث ووزارات الزراعة والصحة والتنمية المحلية. وقال: «هذه المحطات تسجل البيانات بشكل لحظى، ومن خلالها نعرف أماكن الارتفاع أو الانخفاض فى نسب الملوثات، وغالبًا ما تكون تلك الزيادات ناتجة عن ظروف مناخية مؤقتة وليست عن مصدر تلوث مباشر.

الأمر أدى إلى ظهور أقوال بعودة حرق قش الأرز كما فى الماضى القريب ولكن هذا الأمر تم نفيه تماما، حيث أكد «إبراهيم» أن وزارة البيئة طبقت منذ سنوات منظومة ناجحة جدًا لجمع قش الأرز من الفلاحين بدلًا من حرقه فى الحقول، وأن الوزارة توفر للفلاحين مكابس مخصصة لتجميع القش ونقله لمناطق محددة، ويتم شراؤه بالطن لصالح مصانع إعادة التدوير.

وأوضح أن القش أصبح يُستخدم فى صناعات متعددة مثل الأعلاف، والأسمدة العضوية، وبعض مواد البناء، لافتًا إلى أن علماء المركز القومى للبحوث طوروا منه منتجات بإضافة مواد بوليمرية عضوية، مما حول مشكلة كانت تؤرق الدولة إلى قيمة اقتصادية مضافة.

تعليمات بتوخى الحذر

وعن تأثير الأجواء الحالية على صحة المواطنين، شدد «إبراهيم» على أهمية توخى الحذر بالنسبة لكبار السن، والأطفال، والحوامل، ومرضى الحساسية والصدر، نظرًا لأن تركيز الملوثات فى الهواء يكون أعلى من المعتاد فى فترات الركود الجوى. ونصح بـتقليل التعرض المباشر فى الأماكن المفتوحة قدر الإمكان، والحرص على التهوية الجيدة داخل المنازل، وعدم ممارسة الأنشطة المجهدة فى الهواء الطلق فى أوقات الذروة.

وختم الخبير البيئى حديثه مؤكدًا أن ما نشهده ليس سحابة سوداء، ولا نتيجة لحرق قش أو انبعاثات صناعية جديدة، بل ظاهرة طبيعية متكررة تحدث سنويًا فى هذا التوقيت، ومع تحرك الرياح وعودة النشاط الجوى تتحسن جودة الهواء تدريجيًا، وتختفى تلك الأعراض تمامًا.

ركود جوي

وكشف خبير البيئة أن ما يلاحظه المواطنون من تغير فى جودة الهواء أو إحساس بوجود دخان فى الأجواء ليس سوى ظاهرة مناخية موسمية تتكرر سنويًا مع فترة انتقال الفصول وهدوء الرياح، وليس مؤشرًا على عودة «السحابة السوداء» التى أصبحت جزءًا من الماضى بفضل الجهود المستمرة لوزارة البيئة فى الحد من الانبعاثات ومكافحة الحرق المكشوف.

إن وعى المواطنين بطبيعة هذه الظواهر، والتزامهم بالإرشادات الوقائية، يمثلان جزءًا أساسيًا من منظومة حماية البيئة والصحة العامة، خصوصًا فى أوقات الركود الجوى التى تزداد فيها تركيزات الملوثات مؤقتًا.

نحو هواء نقى

ويبقى الأمل أن تواصل الدولة تعزيز منظومات الرصد والإنذار المبكر، وتكثيف حملات التوعية البيئية، لضمان أن يظل هواء مصر أنقى وسماءها أكثر صفاءً، بعيدًا عن الشائعات والمخاوف غير المستندة إلى حقائق علمية.