عودة ولى العهد السعودى إلى قلب واشنطن
صياغة الاتفاقية الإبراهيمية بشروطه الخاصة
يعيد ولى العهد السعودى محمد بن سلمان رسم خط العلاقات مع الولايات المتحدة بعد سبع سنوات من ابتعاده القسرى عن واشنطن فى أعقاب مقتل جمال خاشقجى. وما حدث الثلاثاء فى البيت الابيض شكل واحدة من اكثر عمليات الاستعادة السياسية دراماتيكية فى العصر الحديث، فيما أعاد بن سلمان تأكيد رغبته فى انضمام بلاده الى اتفاقيات ابراهيم وإقامة علاقات رسمية مع اسرائيل لكنه شدد على ضرورة وجود مسار واضح لحل الدولتين قبل اتخاذ اى خطوة. ويرجح ان هذا الشرط سيجعل التوصل الى اتفاق فعلى أمرًا بعيد المنال فى الوقت الراهن نظرا لتعقيدات المشهد السياسى وغياب اى تقدم حقيقى فى ملف الدولة الفلسطينية.
وفى خطوة تعكس عمق التقارب بين واشنطن والرياض، أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن رفع مكانة السعودية الى مرتبة حليف رئيسى من خارج الناتو، وهو تصنيف يمنح المملكة مستوى متقدما من التعاون العسكرى والاقتصادى مع الولايات المتحدة. ووفق هذا القرار ستحصل الحكومة السعودية على اولوية فى شراء المعدات الدفاعية الامريكية المتطورة، بما فى ذلك مقاتلات إف 35 التى تعهد ترامب ببيعها للرياض ضمن حزمة تفاهمات استراتيجية اوسع رغم اعتراض تل أبيب.
خلال مراسم الاستقبال حلقت الطائرات الحربية فوق البيت الأبيض بما فيها مقاتلات إف 35 التى وعدت الادارة ببيعها للرياض. وبعد الخطاب التقليدى، انتقل ولى العهد الى تعهد ضخم باستثمارات فى الولايات المتحدة تتجاوز قيمتها تريليون دولار، وهو رقم هائل أكبر من حجم صندوق الثروة السيادى السعودى نفسه. وقد تجنب محمد بن سلمان توضيح المدة الزمنية لهذه الاستثمارات، لكنه كان يدرك أن الرئيس الامريكى يريد رقما ضخما يقدمه للرأى العام بغض النظر عن واقعيته. بحسب تحليل نيويورك تايمز الأمريكية.
فى المقابل، يبدو أن ولى العهد حصل على وعد مباشر بالحصول على اكثر الشرائح الالكترونية تقدما فى الولايات المتحدة لبناء مراكز بيانات عملاقة تخدم خطته لتحويل المملكة إلى قوة فى مجال الذكاء الاصطناعى. وهذه المعالجات التى تحتاج الى طاقة هائلة ستعمل بمزيج من النفط السعودى والطاقة المتجددة. وكانت إشارة ترامب المتكررة الى ان الصين مستعدة لسد اى فجوة تتركها واشنطن مؤشرا على أن الجانب الامريكى يدرك حجم المنافسة الجيوسياسية التى تلعب لصالح السعوديين.
تقول ميغان أوسوليفان من مركز بيلفر فى هارفارد إن هذه الزيارة تشكل عودة تاريخية غير مسبوقة ووصفت محمد بن سلمان بأنه بات اكثر ارتباطا بالمصالح الامريكية من اى وقت مضى بفضل مزيج من الاستراتيجية التكنولوجية والطاقة. وترى أوسوليفان ان ترامب استخدم ورقة الصين ببراعة للإيحاء بأن التردد الامريكى سيفتح الباب أمام بكين لتقديم البديل.
ورغم أن ولى العهد لم يحصل على كل ما أراده، فقد تم تأجيل ملف الاتفاق النووى السعودى مع واشنطن مرة أخرى دون تحديد مواعيد واضحة لحل قضية السماح بتخصيب اليورانيوم. فامتلاك السعودية هذه التقنية يمنحها القدرة على إنتاج وقود المفاعلات كما يمنحها القدرة على بناء برنامج نووى عسكرى محتمل، وهى نقطة توتر مستمرة منذ سنوات. ولم يتبين ما اذا كان الجانبان توصلا الى اتفاقية دفاع شاملة، إذ اكتفى البيت الأبيض بنشر ورقة حقائق عامة تذكر مجالات تعاون لكن دون التزامات دفاعية حقيقية.
مع ذلك، يعتبر حصول الرياض على إف 35 والرقائق الأمريكية المتقدمة خطوة تعمق دمج السعودية فى المنظومة التكنولوجية الغربية. فامتلاك هذه المعدات لا يتعلق بالسلاح فقط بل بمكانة السعودية بين القوى التى تعد نفسها جزءا من الغرب رغم ان هجمات 11 سبتمبر التى نفذها سعوديون قبل نحو ربع قرن تركت أثرًا عميقًا فى العلاقات.
إسرائيل هى الوحيدة التى تمتلك الطائرة المتطورة فى الشرق الاوسط، وتعتبر ان احتكارها لهذه القدرة أساسًا لتحقيق التفوق العسكرى النوعى الذى تضمنه الولايات المتحدة لها. ولم يقدم ترامب توضيحا لكيفية التوفيق بين هذا الالتزام وقراره بيع الطائرات للسعودية. كما تجاهلت ورقة البيت الابيض تحديد عدد الطائرات التى ستشتريها الرياض.
حين سأل مراسل اى بى سى ترامب عن تقرير وكالة الاستخبارات، انفعل الرئيس ودافع بشدة عن ولى العهد واعتبر خاشقجى شخصية مثيرة للجدل. بينما قدم محمد بن سلمان جوابا بدا مدروسا بعناية إذ قال إن مقتل اى شخص لاسباب غير قانونية امر مؤلم وان السعودية حسنت نظامها لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث. بدا ولى العهد مستعدا لجميع الاسئلة ومصمما على استعادة صورته لدى النخبة الامريكية.
قد يستغرق تطبيق هذه الوعود أشهرًا أو سنوات. فبيع الطائرات يحتاج الى موافقة الكونجرس الذى سيطرح اسئلة كثيرة، خاصة مع وجود طوابير انتظار من نحو 20 دولة اخرى. كما ان تكلفتها التى تتراوح بين 80 و110 ملايين دولار للطائرة الواحدة تجعل الصفقة معقدة وطويلة. وينطبق الامر ذاته على ملف المفاعلات النووية الذى سيحتاج الى موافقات مشددة من الكونجرس.
لكن قطاع الرقائق ومراكز البيانات سيشهد تطورا اسرع باعتباره جزءا من رؤية ولى العهد. ورغم ان الملفات الكبرى فى العلاقات الدبلوماسية تتعلق بالقيم المشتركة وحقوق الانسان، إلا أن معظم هذه القضايا لم يُناقش علنا فى لقاء الثلاثاء. فأسلوب ترامب يعتمد على المجاملات والدلال والهدايا اكثر من اعتماده على المعاهدات طويلة الاجل. وقد غادر مساعدو ولى العهد البيت الابيض وهم يحملون حقائب هدايا فاخرة بينها حقيبة تحمل توقيع ترامب بلون ذهبى لامع وهو المشهد الذى لخص طبيعة هذا اليوم الاستثنائى فى تاريخ العلاقات بين واشنطن والرياض.