توليد فرص العمل هو معيار التقدم الاقتصادي
تطالعنا الصحف كل يوم بأنباء متنوعة، تعكس كثيرًا من المؤشرات الإيجابية التى تُحفز على التفاؤل بالمستقبل الاقتصادى لمصر خلال السنوات القادمة.
ورغم ذلك، فإن المواطن العادى لا يشعر بأى تحسن اقتصادى ملموس لأنه ما زال يعانى من تضخم دائم، وقصور فى كثير من الخدمات، وصعوبات فى بيئة العمل.
إن أول المؤشرات الإيجابية المشجعة لدينا هى تلك التى نراها فى عائدات السياحة والتى تجاوزت عائدات العام الماضى حتى نهايته، وقاربت لأول مرة فى تاريخ مصر 18 مليار دولار.
كذلك شهدت تحويلات المصريين العاملين بالخارج أكبر ارتفاع لها خلال الشهور الأخيرة، وسجلت فى الـشهور الثمانية الأولى من العام الحالى نحو 26.6 مليار دولار بزيادة قدرها 47 فى المئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضى.
فضلًا عن ذلك فقد شهد الاستثمار الأجنبى المباشر ارتفاعًا واضحًا وكانت من أبرز الصفقات الناجحة فى ذلك صفقة أرض علم الروم بشمال مصر، وأعقب ذلك الإعلان عن ارتفاع كبير فى احتياطى النقد الأجنبى لدى البنك المركزى المصرى ليتجاوز لأول مرة حاجز الـ50 مليار دولار.
ولا شك أن كل هذا عظيم ومبهج، ومبشر بالخير، لكن المعيار الأهم لدى الناس هو مستوى الرضا الشعبى عن أداء الحكومة، وهو بطبيعة الحال يستلزم تلبية تطلعاتهم واحتياجاتهم الضرورية.
وفى تصورى فإن أهم شىء يُمكن أن يشعر به المواطن على المستوى الاقتصادى هو تحسين الخدمات العامة، وخفض معدلات التضخم، فضلًا عن تسريع وتيرة التوظيف، بما يخلق فرص عمل جديدة. وهذه النقطة الأخيرة على وجه التحديد هى الأكثر أهمية للشباب المتخرج حديثًا إلى سوق العمل، فهى تساهم فى تحسين دخول الأسر ورفع مستوى المعيشة، كما تؤكد الثقة العامة فى مناخ الاستثمار، وتحفز الشركات وأصحاب المشروعات على تفعيل المنافسة، كذلك فإنها تقود سوق العمل كله فى اتجاه صعودى لتنمية القدرات والمهارات المكتسبة.
وللأسف الشديد فإن التوظيف فى مصر يواجه تحديات صعبة فى ظل انكماش الاستثمارات الخاصة، وليس أدل على ذلك من أن جهاز التعبئة والإحصاء أشار بوضوح إلى ارتفاع معدل البطالة فى الربع الأول من العام الجارى ليسجل 6.4 فى المئة، حيث بلغ عدد العاطلين عن العمل نحو مليونيْن ومائتين وتسعة وعشرين ألف شخص. وأوضح الجهاز أن قوة العمل فى مصر بلغت 34.7 مليون شخص، مسجلة زيادة بنسبة 3.3% مقارنة بالربع السابق، بمساهمة تصل إلى 46.9% من إجمالى عدد السكان فى النشاط الاقتصادى.
ولا شك أن ذلك يدفعنا إلى مراجعة بيئة الاستثمار الخاص محليًا، للتعرف على أى مشكلات ومعوقات تُبطئ من انطلاق المشروعات الجديدة فى مجالى الصناعة والخدمات، وترجئ توسعات الشركات القائمة، للعمل على حلها.
إن خلق فرص عمل جديدة يجب أن يكون هدفًا أساسيًا للحكومة، وليس المقصود بذلك تعيين الشباب مباشرة من خلال القوى العاملة مثلما كان يتم فى الماضى بشكل آلى ودون تخطيط، وإنما المطلوب تهيئة المناخ لتحفيز المستثمرين على ضخ أموال لمشروعات جديدة ومضاعفة الاستثمارات الخاصة بكل الوسائل الممكنة.
فمصر لديها فرص عظيمة، ولديها كوادر مُلهمة يُمكن أن تكون ترسًا أساسيًا فى عملية التنمية المستدامة.
وسلامٌ على الأمة المصرية