الوصول إلى الشاطيء
Oh, Life, how fiercely cruel you are!
ستوب:
لا داعي للرطن بلغة لا تمثلنا، فلنعد تصوير المشهد، من جديد.
أيتها الحياة، كم أنتِ قاسية! كيف تضعين حدًّا فاصلًا بين مصر الأمّ، الغارقة في دفء ترابها وتاريخها الطويل، وإيجيبت، ذلك الوهم اللامع والمُغترب، الظاهر في مخيلة الشباب، والمُنعكس من زجاج الأبراج العالية و خلف فاترينات الماركات عالمية داخل المولات الباردة. إنَّ هذه الظاهرة اللغوية التي ظهرت مؤخرًا، والتي تفرِّق بين مسميات الأمكنة والحالات (كـالساحل الطيب والساحل الشرير)، ليست مجرد لعبة كلمات عابرة؛ إنها مرآة القلب المُنكسر لوطنٍ واحدٍ.
إنَّ هذا الانقسام الذي نشهده ليس سوى اغتراب رومانسي مُحبط؛ حيث يحيا الجسد في مكانين: واحدٌ مأهول بالذاكرة والفقر النبيل، وآخر مُزيَّف بالوعد الزائف والثراء المُعلَن.
لقد تنبَّه لفداحة هذا الانقسام الفيلسوف الفرنسي جي ديبور. حيث يشير في كتابه مجتمع المشهد (The Society of the Spectacle) أنَّ هذه التناقضات ليست ناتجة عن صراع مباشر على الموارد بقدر ما هي صورٌ مُعلَبة يتم إنتاجها وتداولها. هذه الصور تخلق وعيًا زائفًا، وتُبدِّل الواقع الحقيقي بصورته التجارية اللامعة. فالصراع بين مصر وإيجيبت هو في جوهره صراع حول من يمتلك الصورة المعروضة للوجود.
إنَّ الطبيعة السوسيولوجية لهذا الاستقطاب معقَّدة، فهي تتجاوز التقسيم الطبقي التقليدي لتصل بنا الى كل من:
أولا: استقطاب طبقي اقتصادي متحوّر: هو في جوهره اقتصادي؛ حيث تُفصل الموارد والفرص بشكل حاد. لكن هذا الفصل يظهر في صورة استهلاكية؛ تُنشئ طبقة "إيجيبت" التي تستهلك الصورة العالمية والبراندات، وطبقة مصر التي تنتج وتُعاني دون ظهور في المشهد.
ثانيا: استقطاب ثقافي مُعلَن: يتجلَّى هذا الانقسام في تجديد ثقافي يُفرَق بينه باللغة (الإنجليزية مقابل العامية)، والأماكن (الساحل الشرير مقابل الطيب)، لتكريس الشعور بالفردية المزيفة لدى طبقة إيجيبت. اللغة الجديدة هنا هي أداة الفصل الثقافي التي تُشرعن التمايز الاقتصادي.
نعم، إنَّ هذا التناقض ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو خطرٌ حقيقي على وحدة المجتمع. عندما تتحول مصر إلى مجرد صورة يتم تسويقها، ويشعر جزء كبير من أبنائها بأنهم يعيشون في مكان مُلغى لا ينتمي لإيجيبت المُعلَنة، فإنَّ خيوط النسيج الاجتماعي تتمزق ببطء.
هذا التقسيم العميق يُنتج شعورًا بالاغتراب المتبادل؛ حيث لا يعود هناك لغة مشتركة أو مكان مُعاش يجمع الكل. فمتى تعود الروح الواحدة لتوحّد الحياة كما توحّد المصير؟ . فحتى وإن كان الأخوة اليوم لا يسبحون في نفس البحر، فلا شك في أنهم سوف يصلون، في النهاية، إلى نفس الشاطئ