مسكنات أمنية وقائية لمواجهة مقدمات فخ الفوضى الخلّاقة
تشهد مصر في السنوات الأخيرة طيفاً متسعاً من المظاهر السلبية التي تُنبئ بتنامي الضغوط الاجتماعية والاقتصادية؛ فالجريمة والعنف والبلطجة، وتطور أساليب النصب والاحتيال، واتساع رقعة الفساد والغش التجاري والصناعي، إلى جانب تفاقم النزاعات الأسرية وارتفاع معدلات الطلاق، وتزايد الجرائم الإلكترونية وعودة بعض أنماط التطرف والإرهاب، كلها مشاهد تتقاطع – في بعض تفاصيلها – مع صورة الانفلات والفوضى التي لمح إليها أحمد خالد توفيق في روايته الاستشرافية "يوتوبيا" والتي ربما كانت أحد أسباب التفكير في إنشاء عاصمة إدارية جديدة وقبلها انتشار ثقافة الكومباوندات والتي لا أري أنها ستمنح أمنا حقيقيا مستداما لقاطنيها بل ربما تتحول إلي عزلة اضطرارية مالم نمنع حدوث الفقر والفوضي والجريمة خارجها.
وبرغم أنّ هذه الظواهر ما زالت ضمن حدود “المعقول” نسبياً، فإن تراجع الطبقة الوسطى وتآكل منظومة القيم يعززان احتمال تزايدها واتساع آثارها خلال المرحلة المقبلة، مما سيؤدي مرحليا إلي التمكين للغوغاء (مجرمين وبلطجية وفوضويين وفاسدين ولصوص ونصابين ومرتشين ... ومن علي شاكلتهم من أراذل أي مجتمع مأزوم) حيث يمثل التمكين لهؤلاء بمثابة أحد أدوات تنفيذ فخ مخطط الفوضي الخلاقة المزعوم وما سينتجه من تقسيم المنطقة إلي دويلات تحت الهيمنة إقليمية ودولية هدامة، وهو ما كان علي وشك التحقق علي يد غوغاء الدعم السريع في السودان لولا عناية ولطف بالسودان ومصر علي السواء.
وحيث إن المعالجة الجذرية لهذه التراكمات تحتاج إصلاحات هيكلية عميقة متوسطة وطويلة الأمد، فإننا – مجتمعاً ودولة – بحاجة إلى مسكنات أمنية وقائية تمنحنا وقتاً مستقطعاً يكفي لاستكمال خطط التنمية المستدامة ونزع فتيل الاحتقان قبل أن تكتمل العلامات الصغرى والكبرى لفخّ مخطط تلك الفوضى الخلّاقة المزعومة.
ومن أهم هذه المسكنات الأمنية المقترحة، إنشاء شبكة رصد أمني تكنولوجي متكاملة تعتمد على تكامل منظومات أرضية وجوية وفضائية تعمل جميعها في إطار واحد، بهدف تعزيز سرعة وكفاءة الإستجابة الأمنية والمدنية لأي تهديد. ويمكن سرد عناصر "شبكة الرصد الأمني الوقائي" المقترحة علي النحو التالي :
أولا : المنظومات الأرضية:
- كاميرات مراقبة ثابتة ومتحركة في الطرق والمناطق العمرانية والحدودية،
- أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل أنماط الحركة ورصد السلوكيات الخطرة،
- مراكز تحكم محلية ومركزية لربط البيانات واتخاذ القرار الفوري.
ثانياً : المنظومات الجوية:
طائرات درونز ثابتة ومتحركة مزودة بحساسات تصوير حراري وبصري، مع استخدام شبكات طائرات مسيّرة في مهام التتبع الوقائي وفق الضوابط القانونية، سواء لمراقبة العناصر الإجرامية الخطرة، أو لحماية الشخصيات العامة، أو لرصد الأوكار الإجرامية وتهريب المخدرات.
ثالثاً : المنظومات الفضائية (الأقمار الصناعية):
إضافة الأقمار الصناعية يُعدّ خطوة نوعية، إذ توفر تصويراً واسع النطاق للمناطق المفتوحة والحدودية، ومتابعة التغيّرات العمرانية والبؤر التي قد تتحول إلى نقاط توتر، تعزيز القدرة على كشف التحركات المشبوهة في المناطق الوعرة، ودعم مراكز صناعة القرار الأمني والمدني بالمعلومات اللازمة لصياغة خطط التدخل السريع.
مناطق التغطية :
تهدف الشبكة – بصفتها مسكناً أمنياً وقائياً – إلى تغطية كامل العمران المصري في المدن والاحياء والقري والعزب، وتشمل النطاقات الٱتية :
* الطرق السريعة والفرعية والحواري،
* المناطق الصناعية والتجارية والسياحية،
* المناطق السكنية بأنواعها وخاصة المناطق العشوائية وبؤر الجريمة الفردية والمنظمة،
* المؤسسات المدنية: المدارس والجامعات والمستشفيات ودور العبادة ومراكز الشباب والأسواق والمواقف.
* محيط سكن وحركة الشخصيات المهددة والمستهدفة مثل رجال الدولة والعلماء والشخصيات العامة والأفراد المهددين،
* المؤسسات الحكومية بأنواعها،
* المرافق الحيوية كالموانئ والمطارات ومحطات الكهرباء والمياه،
مواقع الثروات الطبيعية المعرضة للنهب مثل المناجم والمحاجر والحقول وغيرها.
ولا نزعم أن هذه الإجراءات هي حل نهائي للأزمات، لكنها مسكنات أمنية ضرورية لإبطاء سلبيات الانفلات المحتمل إن استمرت الضغوط المعيشية والتوترات الإجتماعية، أما الحل الحقيقي فيبقى مرهوناً بقدرة الدولة والمجتمع على تنفيذ إصلاحات تنموية مستدامة، وإرساء العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفقر والفساد والجريمة المنظمة، وتعزيز دور الطبقة الوسطى باعتبارها صمام أمان للمجتمع في مواجهة مخططات الدولية لتخفيف الفوضي الهدامة والتي تستخدم الجماعات الفوضوية والتخريبية كوكيل محلي لتنفيذه وهي لاتدرك أنه لمصلحة أعداء مصر والمنطقة الراغبين في السيطرة علي مقدراتنا ونهب ثرواتنا تحت مظلة الفوضي كما حدث من قبل في العراق والسودان وتجارب أخري عديدة.
* سياسي ونقابي
والمستشار الأسبق لوزير البيئة