على فكرة
عن صلابة الشرع ووسامته
ليت الرئيس السورى الانتقالى أحمد الشرع لا يغتر كثيرا، بالاستقبال غير الرسمى الحافل له فى البيت الأبيض،الذى اتسم بالمبالغة فى التكريم وإبداء الحميمية والإعجاب من قبل الرئيس الأمريكى ترامب. فلا طول فترة الزيارة من عشرين دقيقة إلى ساعتين، ولا منحه قنينة عطر فاخرة، بعد أن رشه ترامب بقطرات منها، ونصحه بأن يهديها إلى زوجته، بعدما أجابه عن سؤاله عن عدد زوجاته،بأنه زوج لواحدة فقط حتى الآن، ووصفه له بأنه قائد قوى وشخص صلب ووسيم، سوف يكون قادرا وحده، على منح الشرعية لنظامه الهش، المثقل بانهيار كامل لمؤسسات الدولة، والحافل بالصراعات الجهوية والمذهبية والعرقية والقومية والثقافية، مما يجعل تاريخه الأيدولوجى المنتمى لحركات السلفية الجهادية عقبة وعرة أمام انهائها سلميا. ويشكل عدوان إسرائيل شبه اليومى على الأجواء السورية، واحتلالها عددا من المناطق فى أعقاب سقوط نظام الأسد،عملا مضافا لتغذية تلك الهشاشة، وتعزيز إدامة الصراعات.
لكن براجماتية الشرع التى ساقته لزيارتين متعاقبتين إلى كل من موسكو وواشنطن،لجلب مساندة العاصمتين اللتين تتعاونان،فيما يبدو،فى ترتيب الشأن السورى،سوف تمنحه مع ذلك،بعض المزايا المشروطة. فقد رفعت واشنطن العقوبات المفروضة عليه شخصيا كإرهابى حارب القوات الأمريكية فى العراق، قبل أن ينقلب على قيادات داعش، ويحظى بدعم تركى – أمريكى لإسقاط نظام الأسد. كما يبدو أنه حصل على وعد بحمايته، بعدما فشلت عدة محاولات لاغتياله. وقبل أن ينجح التدخل التركى والسعودى والقطرى فى اتمام لقائه بترامب، أعلن الشرع أنه لا يعد نفسه امتدادا للحركات الجهادية أو لجماعة الإخوان، أو لثورات الربيع العربى، فى محاولة للقطع بين تاريخه الإرهابى السابق وبين المعارضة السورية المدنية ، وبين حاضره، الذى بات واضحا أنه يتشكل طبقا لرؤى أمريكية، تتماهى مع سعى إسرائيل، لإعادة رسم خريطة الإقليم.
فى زيارة واشنطن، حصد الشرع مكاسب عدة بينها الرفع المؤقت لبعض العقوبات المفروضة على سوريا من قبل وزارة الخزانة الأمريكية، ووعد من ترامب للتدخل لدى الكونجرس لإلغاء بقية العقوبات المنصوص عليها فى قانون قيصر، والمساعدة فى دمج قوات سوريا الديمقراطية الحليفة لواشنطن –قسد الكردية -فى النظام الجديد،والضغط على إسرائيل للجلاء عن الأراضى التى تمركزت بها بعد صعوده إلى السلطة. كما تم الاتفاق على إعادة فتح السفارة السورية فى واشنطن.
أما المقابل، فهو شروط أمريكية بإدراج سوريا فى الاتفاقات الإبراهيمية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، والاستمرار فى التصدى لإيران، ودخولها فى التحالف الدولى لمحاربة داعش وإخراج بقايا المنظمات الفلسطينية من سوريا، وجعل الجنوب السورى، طبقا للمطالب الإسرائيلية، منطقة منزوعة السلاح،بما يجعل الحديث الإسرائيلى عن قاعدة أمريكية جديدة فى دمشق لضمان أمن إسرائيل، تضاف إلى عدد آخر من القواعد الأمريكية المتمركزة حول حقول النفط فى المدن السورية، أمرا منطقيا.
لكن المؤكد أنه لم يثبت أن التحالفات الخارجية تنجح فى تثبيت الدول ومنع انهيارها. العراق نموذج ساطع على ذلك. وعلى الشرع أن يدرك، أن دعم واشنطن قد يطيل بقاء نظامه، لكنه لن يستمد شرعيته سوى من رضاء الشعب السورى، الذى سيحكم على مدى صلابته التى يتغنى بها ترامب، من قدرته على إحداث التوازن بين مصالح واشنطن ومصالح سوريا، ومن السياسات التى سوف تبعها،لإعادة بناء الدولة السورية، وهل ستكون بأيدى السوريين وطبقا لطموحاتهم، بما يضمن حقوق كل أطرافها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أم عبر إعادة أنتاج النظام العلوى الذى سقط، بطريقة سنية هذه المرة!
الأيام المقبلة هى اختبار للطريق الذى ستمر منه صلابة الشرع، أما وسامته فلتبقى شأنا ثنائيا بينه وبين الرئيس الأمريكى!