ما يجب فعله عند انتهاء صفوف صلاة الجماعة
تعد صلاة الجماعة مَظهرٌ مِن مظاهر لَمِّ شمل المؤمنين، وتوحيد كلمتهم، وإظهار حقيقةِ أنهم يدٌ واحدةٌ، مُعتَصِمُون بحبل الله المتين، محققون الأمر الإلهي في قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
صفوف صلاة الجماعة
وقالت الإفتاء إن المسلم إذا دخل المسجدَ ليصلي مع الجماعة، ولم يجد مكانًا في الصف، فإن له أن يُنَبِّه واحدًا من المصلين في الصف المكتمل إذا غلب على ظنه أنه سيستجيب له، ثم يجذبه بلُطفٍ كي يتأخر ويَصطَف معه في الصف المؤخَّر، فإن غلب على ظنه أنَّ أحدًا من المصلين لا يستجيب له، أو نَبَّهَ أحدَهم فلَمْ يستجب له، صلى بمفرده في الصف، ولا إثم عليه في ذلك ولا حرج.
حكم ترك صلاة الجماعة لعذر
وعلى كلا القولين للسادة الشافعية، فإنه يجوز في المذهب ترك صلاة الجماعة للعذر، يقول الإمام العمراني الشافعي في "البيان في مذهب الإمام الشافعي" (2/ 368، ط. دار المنهاج): [يجوز ترك الجماعة للعذر، سواءٌ قلنا: إن الجماعة فرض على الكفاية، أو سُنَّة] اهـ.
فالتحقيق أنه لا تَعارُض بين كونها سُنةً مؤكدة وكونها فرضَ كفاية؛ إذ السُّنِّية مُتجِهةٌ للفرد، والفرضية على الكفاية مُتجِهةٌ للجماعة؛ حتى تبقى الشعائر قائمةً بين المسلمين.
وأما الأحاديث التي فهم منها بعض العلماء وجوب صلاة الجماعة: كحديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فسأل رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته، فَرَخَّصَ لَهُ، فلما ولَّى دعاه، فقال: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قال: نعم، قال: «فَأَجِبْ»؛ فقد أجاب عنها الجمهور بأنه لا دلالة في الحديث لكونها فرض عين؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخَّص لعتبان رضي الله عنه حين شكَا بصرَه أن يُصلي في بيته، وحديثُه في الصحيحين، وقالوا: إن معنى الحديث: لا رخصة لك تُلحِقُك بفضيلة مَنْ حضرها؛ كما أسند ذلك الحافظ البيهقيُّ في "السنن الكبرى" (3/ 82) عن الإمام أبي بكرٍ النيسابوري الفقيه، ونقله الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (4/ 192).
قال الحافظ ابن حجر فيما نقله عنه المُلّا علي القاري في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (3/ 834، ط. دار الفكر): [ليس فيه دلالة على فرضية العين؛ لإجماع المسلمين على أن الجماعة تسقط بالعُذر، ولحديث الصحيحين: أنه عليه السلام رخَّص لعتبان حيث شكَا بصرَه أن يُصلي في بيته] اهـ.
صلاة الجماعة
وقال الإمامُ الكمال بن الهمام الحنفي في "فتح القدير" (1/ 345، ط. دار الفكر): [معناه: لا أجد لك رخصةً تُحَصِّل لك فضيلة الجماعة مِن غيرِ حضورِها، لا الإيجابُ على الأعمى] اهـ.
ويؤيد ذلك أنه لم يقل أحد من العلماء بظاهر هذا الحديث؛ فإن ظاهره يقتضي وجوب صلاة الجماعة على من كانت حاله كحالة ابن أم مكتوم رضي الله عنه؛ قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في "فتح الباري" (3/ 185-186، ط. مكتبة الغرباء الأثرية): [وقد أشار الجوزجاني إلى أن حديث ابن أم مكتوم لم يقُل أحدٌ بظاهره؛ يعني: أن هذا لم يوجِب حضورَ المسجد على مَن كان حالُه كَحَالِ ابن أم مكتوم رضي الله عنه] اهـ.