«ماعت» إلهة الحقيقة.. رسالة سلام للعالم
الفنانة صالحة المصرى: الفن والحضارة المصرية «مهد الإنسانية» عبر الأزمان.. وثقافة تصلُح للعالم أجمع
انطلقت أمس ، أولى فعاليات معرض «الأبد هو الآن» التابع لـ آرت دى إيجيبت كالتشرفيتور، فى نسخته الخامسة، بمنطقة أهرامات الجيزة، وبمشاركة ثماني دول أجنبية ومصر ولبنان.
وعلى هامش فعاليات معرض «الأبد هو الآن» أجرت «الوفد» حوارًا صحفيًا مع الدكتورة صالحة المصرى، خزافة وناقدة، ومدير قاعة الباب سليم بمتحف الفن الحديث فى دار الأوبرا المصرية، وتهتم فى تجربتها الفنية بإعادة قراءة فخار الحضارة المصرية القديمة بمراحلها المختلفة، بداية من عصر ما قبل الأسرات مرورًا بعصر الدولة القديمة وعصر الدولة الوسطى وأخيرًا عصر الدولة الحديثة.

< ماذا عن اختيار وزارة الثقافة لكِ للمشاركة لأول مرة فى معرض الفن التشكيلى «الأبد هو الآن»؟
<< فى الحقيقة أشعر بالفخر واختيار أسعدنى للغاية، فأنا الفنانة المصرية الوحيدة المشاركة فى معرض «الأبد هو الآن»، وأقدر هذه الثقة، وهو بمثابة دعاية لى فى تمثيل مصر وسط فناني العالم، جاءوا من روسيا وإيطاليا وكوريا وهولندا وألمانيا وفرنسا ولبنان، وهذا شىء أسعدنى للغاية، والقطعة المشاركة تمثل إعادة قراءة للحُلى فى الحضارة المصرية القديمة، ومن المعروف أن كل ملك فى الحضارة المصرية كان لديه قطعة حُلى عبارة عن ختم ملكى يستخدم لتسيير أمور الدولة، واهتممت فى منحوتة ماعت بإظهار الحضارة المصرية وسط الأعمال المشاركة، حتى يرى فنانو العالم كيفية إعادة صيغة التاريخ والحضارة المصرية القديمة بعيون مصرية معاصرة.

< .. وماذا عن الرسومات الخارجية على خاتم ماعت، الذى قمتِ بنحته؟
<< خاتم ماعت كتبت عليه مجموعة من العبارات مستوحاة من كتاب الموتى، تدور حول فكرة العدل والميزان والحقيقة، وهى مبادئ ماعت إلهة الحقيقة لدى المصريين القدماء، فعندما يقف الجمهور أمام الإطار الدائرى الذى يتوسط الخاتم يُكثف الرؤية على الأهرامات رمز الخلود فى مصر القديمة، وبالنسبة للرسومات على ظهر القطعة فدائما ألجأ فى شغلى إلى الكتابة من لغات قديمة، مثل: الآرامية والهندية والمسمارية والساسانية والصينية القديمة، وأحدث دمجًا بين اللغات للتأكيد على فكرة أن البشر من أصل إنسانى واحد، وأبناء آدم وحواء، واكتفيت فى منحوتة ماعت بالكتابة المصرية القديمة، وهذه الجُمل بوابة عبور ملوك الفراعنة من دار الفناء إلى دار الخلود، مع ضرورة أن يكون قلب الملك أخف من ريشة ماعت عند الوزن قبل العبور النهائى.

< ما رؤيتك لدور الفن فى بناء الجسور بين الثقافات والشعوب المختلفة؟
<< الفن واحد من أهم اللغات التى تمد جذور التعارف والعلاقات بين شعوب العالم، خاصة أن فعالية ومعرض «الأبد هو الآن»، يشارك فيه عشر دول، منها ثماني دول أجنبية، وهنا يحدث مزج بين الأفكار والثقافات وتتقابل الحضارات والأسلوب، وبمجرد رؤيتها نتواصل ونتعايش معها، لذلك أكدت من خلال الحداثة والفن المعاصر على عمل قطعة فنية تحاكى التاريخ بأسلوب فنى معاصر يصلح للدمج مع فنون وعوالم أخرى مختلفة.

< ما السر وراء اختيار هذا الموقع الاستراتيجى لعرض منحوتة ماعت؟
<< وضعت منحوتة ماعت على محور بصرى يسمح بأن تؤطر دائرةُ الخاتم قمةَ الهرم فى الخلفية عند وقوف الزائر فى نقطة مشاهدة محددة أمام العمل، هكذا يصير الخاتم عدسة تُمسك رأس الهرم كما لو كان حجرًا كريمًا، كما تُصاغ الحافة الداخلية للخاتم بسُمك كافٍ ليولد ظلًا حلقيًا يتبدل عبر ساعات النهار، فيُظهر حركة الشمس كتذكير بدورة الزمن واستمرار الحضارة، والنجوم صورة تجميلية بحتة، وكانت يتم رسمها لتزيين المعابد، والكتابات المنحوتة على ظهر خاتم ماعت هامة، لأنها جزء من رسائل ملوك الفراعنة، ومنها: لن أسلب الفقير بخصوص ممتلكاته، لن تكون فقيرًا، لن تكون بائسًا، لن ينحنى عليك الفقر، أنعم على المسكين، لا تفرق بين ابن الرجل الغنى عن العامى، لا تجرد الفقير من ممتلكاته، لا يوجد جوعان فى عصرى، أعطيت الخبز للجوعان.

< ما رسالة منحوتة ماعت للفن التشكيلي؟
<< حياة الفراعنة رسخت فى وجدان وعقيدة المصريين المبادئ الإنسانية، التى تجمع المصريين على حب مصر، وهى مبادئ سلام ومحبة، فالمصرى القديم عبر من خلال حضارته عن فكر معين، وهذا يظهر جليًا فى الآثار والأهرامات والتحف المعمارية الضخمة، ودلالة على حياة المصرى القديم وتعبيرًا عنه وعن استمرار هذا الحضارة عبر الأجيال، وهى رسالة للعالم كله على أن الفن والحضارة المصرية مهد الإنسانية، وأثر باقٍ ومبادئ تتوارث وثقافة لكل المجتمعات.
< ما مصير منحوتة ماعت بعد انتهاء المعرض؟
<< هذا الأمر يرجع إلى منظمى معرض «الأبد هو الآن»، وبالتأكيد سيتم عرضه فى فعاليات أخرى، ويسعدنى إذا وضعته وزارة الثقافة فى بهو متحف أو استخدمته لتمثيل مصر فى معارض خارجية، فمن الشرف أن تكون منحوتتى سفيرة لمصر وتاريخ وحضارة بلدى أمام العالم، فالحضارة المصرية مهد الحضارات، وأصل كل الحضارات، جاءت ثم جاء التاريخ، وكلِ فخر كونى مصرية.

< ما المادة المستخدمة فى تنفيذ هذا العمل الفنى؟
<< فى كل شغلى أستخدم الطين الأسوانى، لإنتاج قطع فخرية مقاس متر واحد، لكن هذا عمل ميدانى 4 × 6 أمتار، وعمق متر ونصف المتر، لذلك صنعت «خاتم ماعت» من خامة الميتال الصلبة، التى تقاوم الصدأ وعوامل الجو والزمن، واعتنيت بتقديم عمل نحتى وليس خزفيًا، لكن على نمط شغلى فى الخزف وأنجزته فى شهر ونصف الشهر، وأطلقت عليه اسم «ماعت» إلهة الحقيقة.



