أوراق مسافرة
من المنتصر؟ «٢»
انتهيت فى مقالى السابق إلى ما كان مأمولاً عقب عملية ٧ أكتوبر، بأن يتلاحم الشعب الفلسطينى كله مع أهل غزة فى مقاومة شعبية شاملة وأى كانت غطرسة المحتل وجبروته فلن يبيد شعباً بأكمله، كنا نتمنى أن تقفز السلطة الفلسطينية وحماس فوق كل خلافاتهما السياسية والأيديولوجية وأن ينضما معاً تحت لواء المقاومة فلن تخسر السلطة الفلسطينية لو فعلت هذا أكثر مما خسرته طيلة السنوات الماضية، كنا نتمنى أن تحدث ملحمة مقاومة واحدة ومتواصلة فى كل الأراضى المحتلة وغير المحتلة ولا يتم ترك غزة ولا حماس وحدها فى المواجهة، ولو حدث هذا لكانت النتائج الآن مختلفة تماماً، ولنقرأ فى تاريخ تحرر الشعوب من المستعمر لندرك تماماً أن توحد الشعب فى المقاومة وعدم انقسامه هو رأس الحربة الحقيقى التى تغرس فى صدر أى محتل وتهزمه وتجبره على إعادة الحق لأصحاب الحق.
وسيقول قائل وكيف يتم تسلح كل الشعب الفلسطينى؟ يتم تسليحه كما تم تسليح حماس ونعلم من أين كانت حماس تحصل على أسلحتها، وكيف حتى أن خبراءها ومهندسيها كانوا يصنعون المتفجرات بأنفسهم فى الأنفاق، السيناريو الذى كنت أتمناه وغيرى الملايين، أن يصبح كل فلسطينى جندياً ومقاوماً فى المناطق الفلسطينية المحتلة وغير المحتلة، ولننظر بأسف إلى المستوطنين الإسرائيليين، فجميعهم مسلحون، وكل منهم يعتبر نفسه جندياً يدافع عن الأرض والبيت الذى كسبه باحتلال وحشى لا يفهم معنى الحق ولا الإنسانية.
أما وقد تجاوزنا ما كنا نتمناه ووصلنا إلى ما نحن عليه الآن، فيجب أن يعرف كل عربى تعاطف وتحرك وغضب وثار لأجل غزة أو حتى هؤلاء الذين خذلوها وتخلوا عنها تماماً، عليهم أن يعرفوا جيداً أن كيان الاحتلال خرج خاسراً من تلك الحرب رغم كل ضحايا الإبادة التى نفذوها فى وحشية غير مسبوقة ضد شعب أعزل، حقاً خسرت إسرائيل سبعة آلاف جندى وهو رقم لا يقارن بسبعين ألف شهيد فلسطينى، لكن حالة الخوف واليأس وفقدان الثقة والاضطراب النفسى والغضب بين أفراد جيش الإحتلال يفوق الخسائر العددية، كما أصبح لديهم أكثر من خمسة وعشرين ألف جندى معاق، وهناك انقسام وتفكك فى جبهتها العسكرية وانعكس هذا أيضاً على الجبهة الشعبية، وخسر نتنياهو كل شعبية له، وفقدت حكومته ثقة اليهود باستثناء زبانية الليكود وأتباعه، من الناحية الاقتصادية خسرت إسرائيل 150 مليار دولار، وارتبكت بها الأوضاع الإقتصادية بصورة كبيرة، بجانب تهدم المنازل وتأثر المستعمرات ما يستوجب منها أموالاً هائلة لإعادة الإعمار، كما فقد المستوطنون كل شعور بالأمان والحماية، عسكرياً خسرت مئات المجنزرات والذخائر وخسرت قوة وتأثير تقنيتها العسكرية التى كانت تتباهى بها والعديد من جنرالاتها وقادتها بجانب انهيار الروح المعنوية لقواتها.
كما خسرت إسرائيل مكانتها دولياً، فقد تكشف تماماً وجهها القبيح، وفقدت الكثير من التأييد الدولى السياسى، وخسرت التعاطف السابق لكل الشعوب الغربية التى باتت تراها الآن مجرد كيان سرطانى محتل يسفك دماء الأطفال والأبرياء، سقطت أكذوبة إسرائيل حول رغبتها فى العيش فى سلام مع فلسطين ودول الجوار، ولن تعد بعد ذلك تتمتع بأى أمن داخلى أو استقرار، والأهم من كل هذا خسرت مخططها وحلمها فى غزة، وفقدت ثقة حلفائها فى السر الذين طالهم شرر نيران مروقها.
وعلينا أن ندرك تماماً أن اتفاق وقف الحرب وبدء عملية السلام لا يمثل الرغبة الحقيقية لنتنياهو، فهذا سيعنى وقوفه فى مواجهة أمام شعبه لمحاسبته على فساده السابق، على دخوله حرب خاسرة استنزفت قوة إسرائيل العسكرية والمعنوية وخربت الكثير من اقتصادها، سيعنى فقدانه ذريعة ممارسة العنف والعدوان على الفلسطينيين والتوسع الاستيطانى تحت زعم القضاء على حماس التى يصنفها أمام العالم على إنها جماعة إرهابية ويستنزف فى مقابلها أموال أميركا والغرب فى شكل مساعدات مالية وعسكرية لمواجهة هذا الإرهاب، وسيعنى أيضاً ضرورة الاعتراف بدولة فلسطين، ودولة تعنى فى المستقبل آجل أو عاجل ضرورة وجود قوة جيش وتسليح يحميها، وهذا ما لا يرغب نتنياهو وكل صقور الإحتلال فى حدوثه أبدا.
وفيما يتعلق بحماس التى قبلت ما سبق ورفضته من قبل مراراً، وهو انتهاء سلطتها فى غزة، وهو ما يعنى بالتالى انتهاء المقاومة المسلحة، فهذا أيضاً لا يمثل رغبتها الحقيقية، ولكن عليها القبول لأن استشهاد ٧٠ ألف فلسطينى لم يكن فى حساباتها، اغتيال قادتها وقادة حزب الله وأيضاً رءوس أعوانها فى إيران على يد إسرائيل بمساعدة الخونة لم يكن فى حساباتها، وجود غضب فى الشارع الغزاوى والفلسطينى عامة منهم بسبب الموت والدمار والخراب الذى حل بغزة لم يكن بحساباتها، الضربات التى وجهها المحتل لنظام بشار الأسد والحوثيين وحزب الله ولإيران لم تكن بحساباتها.. وللحديث بقية.