فى ذكرى 52 عاماً على انتصارات أكتوبر
دراما النصر.. بطولات وعمليات المخابرات فى معركة العقول
فى السادس من أكتوبر عام 1973، انقلبت موازين التاريخ، وتبدّدت سنوات من الإحباط التى أعقبت نكسة 1967، عبر الجنود المصريون قناة السويس، وحطموا خط بارليف المنيع فى ساعات معدودة، لتكتب مصر والعرب صفحةً جديدة من العزة والكرامة.
ومثلما خاض الجيش المصرى معركته فى الميدان، خاض الفن معركته على الشاشة، فكانت الدراما والسينما شاهداً وموثقاً وناقلاً لذاكرة النصر، لم تكتفِ تلك الأعمال بتجسيد مشاهد العبور أو الهتاف بالنصر، بل غاصت فى أعماق الصراع الاستخباراتى والعقلى، لتكشف الوجه الخفى للحرب — حرب العقول والمعلومات.
تاريخ الأمم لا يُكتب فقط بالمدافع، بل بالكاميرات والأقلام، والفن، بصفته الذاكرة البصرية للشعوب، كان ولا يزال شاهداً على لحظات الانتصار والانكسار، منذ السبعينيات وحتى اليوم، حاولت الدراما المصرية أن تؤرخ لنصر أكتوبر بمختلف زواياه، من الميدان إلى المكاتب السرية، ومن صوت المدفع إلى همسات الجواسيس، الآن ونحن نحتفى بالذكرى ال52 لانتصارات اكتوبر نرصد الأعمال التى تناولت ترتيبات الحرب التى بدأت قبلها بسنوات، حيث ترصد «الوفد» الأعمال المهمة التى تناولت العمليات التى سبقت حرب أكتوبر، وكانت السبب فى انتصار الحرب التى شارك فيها خيرة شباب الجيش المصرى وغيرهم.

حكايات الغريب.. الحرب بعيون المواطن البسيط
ضمن الأفلام الهامة التى تناولت حرب أكتوبر، هو «حكايات الغريب» (1991) المأخوذ عن قصة للأديب جمال الغيطانى.
يُبرز الفيلم التحول فى وجدان المواطن المصرى من الإحباط عقب نكسة 67 إلى الإصرار على النصر فى 73، عبر شخصية مدرس بسيط يجد نفسه فى قلب المعركة.
لم يعتمد العمل على معارك ضخمة أو مشاهد قتالية كثيرة، بل على المشاعر الإنسانية الصادقة التى سبقت النصر، فالحرب هنا تُرى بعين المواطن الذى ينتصر داخله قبل أن ينتصر وطنه.
العمل من إخراج المخرجة القديرة إنعام محمد على التى قدمت أيضاً فيلم الطريق إلى إيلات، الذى يعد من أبرز الأفلام التى وثَّقت بطولات حرب أكتوبر (1993)، والفيلم مأخوذ من وقائع حقيقية لعملية بحرية جريئة نفذها ضباط البحرية المصرية عام 1969، أسفرت عن تدمير سفينتين حربيتين إسرائيليتين داخل ميناء إيلات.
اعتمدت إنعام محمد على على توثيق دقيق وتدريب واقعى للممثلين، حتى بدا الفيلم كأنه وثيقة تاريخية مصورة.
المخرجة الكبيرة إنعام محمد على، صاحبة الأعمال الوطنية الخالدة، قالت إن توثيق البطولات فى الدراما واجب وطنى، فالفن يُعيد للأجيال الجديدة ما قد تبهت ملامحه فى الذاكرة.
وأضافت المخرجة إنعام محمد على: لم نعد نرى إنتاجاً ضخماً لأعمال أكتوبرية كما كان فى السابق، رغم أن القصص لا تزال موجودة، والبطولات الحقيقية لم تنفد بعد، وأضافت أن الأجيال الجديدة تحتاج إلى أن ترى تلك البطولات فى شكل فنى حديث يجذبها، وليس فقط فى كتب التاريخ.
وتسترجع تصوير فيلم الطريق إلى ايلات قائلة: «كنت أعتبر الفيلم واجباً وطنياً قبل أن يكون عملاً فنياً، أردت أن أضع أمام الناس صورة حقيقية لأبطال لم يتحدث عنهم أحد.
وقد نجح الفيلم فى ترسيخ روح الفداء والإصرار التى سبقت نصر أكتوبر، ليصبح من علامات السينما الوطنية الحديثة.
رأفت الهجان.. الجاسوس الذى هزم العدو من الداخل

عندما بدأ عرض مسلسل «رأفت الهجان» فى أواخر الثمانينيات، لم يكن مجرد مسلسل تلفزيونى، بل ملحمة وطنية من نوع خاص.
العمل الذى أبدعه الكاتب صالح مرسى وأخرجه يحيى العلمى، نقل للمشاهدين تفاصيل مأخوذة من ملفات المخابرات العامة المصرية حول البطل الحقيقى رفعت على سليمان الجمال، الذى عاش فى قلب إسرائيل لسنوات طويلة باسم «جاك بيتون»، وجمع معلومات ثمينة ساهمت فى إعداد الجيش المصرى لحرب أكتوبر.
فى الجزء الأول، تظهر بوضوح استعدادات رأفت وتحولاته النفسية قبل الدخول فى عالم الجاسوسية. يُبرز المخرج كيف أن التدريب، اللغة، والتأقلم مع مجتمع العدو كانت معارك لا تقل قسوة عن معارك الميدان.
وعندما يُعلن فى نهاية الجزء خبر النصر فى الإذاعات الإسرائيلية، يرسم المخرج مشهداً إنسانياً بالغ التأثير: رأفت، الجاسوس المصرى، يبتسم فى عزلته فرحاً، كما لو أن النصر تحقق بداخله قبل أن يتحقق على الأرض.
هذا المشهد لم يكن مجرد لقطة فنية، بل تلخيص لمعنى أن المعركة كانت فى العقول قبل أن تكون فى السلاح.
النجمة يسرا شاركت فى المسلسل بدور زوجة رأفت الألمانية وقالت المسلسل أظهر العروبة المدفونة فى كل مصرى وعربى.
وتذكرت يسرا أيام إذاعة حلقات المسلسل، مشيرة إلى أن المصريين كانوا يجتمعون لمشاهدة المسلسل وكانت الشوارع فارغة وقت عرض الحلقة، مضيفة: «أعتقد أن مفيش حد مصرى أو عربى مش جواه حتة وطنية مستخبية جوة»، لافتة إلى أن هذه المسلسلات الوطنية كانت تظهر هذه الوطنية والحماسة.
وقالت يسرا إن زوجة البطل الراحل رأفت الهجان «فالتراود بيتون»، طلبت أن تؤدى دور زوجته فى المسلسل فى حالة عدم العثور على ممثلة تتمكن من أداء الدور، لافتة إلى أنها أثنت على أدائها للدور فيما بعد، وقالت له إنها مثلت شخصيتها بإتقان.
وأشارت يسرا إلى أن مشهد وفاة رأفت الهجان، والذى اعترف فيه بحقيقته هو المشهد المفضل لها، لافتة إلى أن زوجة رأفت الهجان الألمانية قالت: «أنا غيرت من القبر اللى حاضن جسمه وكان نفسى أبقى معاه فى القبر»، هو الأبرز لها.
السقوط فى بئر سبع.. خيانة تُهزم بالوعي
من الأعمال التى تناولت الصراع المخابراتى بشكل جريء مسلسل «السقوط فى بئر سبع»، الذى أخرجه الراحل نور الدمرداش عام 1994، عن قصة حقيقية من ملفات المخابرات المصرية.
يحكى المسلسل قصة زوجين مصريين تجنّدهما إسرائيل للعمل ضد وطنهما، ليقع فى النهاية فى قبضة المخابرات المصرية.
تُظهر الأحداث كيف أن الجاسوسية لا تقتصر على ساحات القتال، بل تتسلل إلى البيوت، وتختبر الضمائر والولاءات.
قدم المسلسل معالجة عميقة للطبيعة البشرية بين الطمع والخوف، وبين الوطنية والخيانة، مؤكداً أن النصر فى أكتوبر لم يكن صدفة عسكرية، بل ثمرة وعى شعبى ومؤسساتى شارك فيه الجميع، من المقاتل إلى ضابط المخابرات.
قالت الفنانة إسعاد يونس، وهى تستعيد ذكريات مشاركتها فى المسلسل الشهير السقوط فى بئر سبع، بابتسامة تحمل مزيجاً من الفخر والدهشة:
«لم أكن أتخيل أن يأتى يوم أجسد فيه دور جاسوسة تعمل ضد وطنها، أنا بطبيعتى أحب الشخصيات الطيبة، التى تضحك وتُضحك الناس، لكن فجأة وجدت نفسى أمام عمل مختلف تماماً، مليء بالغموض والتوتر، فقررت أخوض التجربة رغم خوفى.»
تحكى إسعاد أن المخرج وقتها عرض عليها الدور قائلاً: «إنتِ هتعملى شخصية جاسوسة بس مش بالشكل النمطى، إحنا عايزين الناس تشوف إزاى ممكن إنسان يضعف فى لحظة ويُستدرج» تضيف ضاحكة:
«فى البداية اتخضّيت! قلت لنفسى: إزاى هصدق الناس أن إسعاد يونس ممكن تبقى خائنة؟ لكن بعد ما قريت السيناريو حسّيت أن الشخصية دى لازم تتعمل، لأنها بتكشف وجهاً مظلماً من الحروب اللى مش بيظهر على الجبهة، بل جوه النفوس».
دموع فى عيون وقحة.. البطل الذى خدع الموساد
لم يكن «رأفت الهجان» وحده أيقونة الدراما المخابراتية، فقد سبقته إلى ذلك تجربة مميزة مع الفنان عادل إمام فى مسلسل «دموع فى عيون وقحة»، الذى جسد شخصية البطل الحقيقى جمعة الشوان.
العمل، من تأليف صالح مرسى أيضاً، يعرض كيف تمكن جمعة من خداع جهاز الموساد الإسرائيلى لسنوات، ونقل معلومات مضللة ساعدت فى تضليل العدو قبيل الحرب،من خلال السرد الدرامى، نرى التحول الإنسانى لبطل بسيط من السويس، قرر أن يرد للوطن جزءاً من الدين، ليصبح أداة فى يد المخابرات المصرية تخدم معركة التحرير.
هذا المسلسل كان من أوائل الأعمال التى أعادت تعريف البطولة فى الدراما المصرية؛ لم تعد البطولة فى إطلاق الرصاص فحسب، بل فى الذكاء والصبر والانتماء الخالص.
النجمة القديرة مشيرة إسماعيل إحدى نجمات العمل التى تراه علامة فارقة فى تاريخ الدراما العربية وقالت، كواليس العمل رائعة، وخرجت على الشاشة حالة الكيميا الموجوده بين ابطال العمل، وأضافت أن المخرج يحيى العلمى دائما» يأخذ منك ويضيف إليك بالعمل»، وأذكر أحد المشاهد بهذا المسلسل مع مصطفى فهمى، فبعد أن انتهينا من التصوير خرجنا لنشاهده على المونيتور، وجدته عمل كلوز على وجهى فاعترضت وقلت له إن جفنى كان بيمثل فى المشهد، وبالفعل أعاد المشهد وعن اقتناع، لأن أحياناً الجسد يعبر دون أن يحتاج الشخص إلى الكلام.
ولفتت مشيرة إلى ضرورة تقديم أعمال فنية تعبر عن هذه الفترة المهمة فى التاريخ المصرى الحديث.
السينما والجاسوسية.. عندما تتحول الأسرار إلى دراما
تاريخ الدراما المصرية يثبت أن قصص المخابرات ليست فقط إثارة وتشويقاً، بل هى نوع من الدراما الوطنية التى تعيد تعريف البطولة.
من خلال هذه الأعمال، اكتشف الجمهور أن الحرب لم تكن فقط على الجبهة، بل كانت أيضاً فى المكاتب السرية، فى محطات الإرسال، فى مكالمات مشفَّرة، وفى رجال ونساء ضحوا بحياتهم من أجل أن تبقى الراية مرفوعة، ضمن هذه الأعمال أفلام «بدور» و«الرصاصة لا تزال فى جيبي» و«حكايات الغريب»، و«أغنية على الممر» الذى يرصد حرب الاستنزاف، و«حتى آخر العمر».
الممر.. ملحمة على الشاشة أعادت رسم ملامح البطولة المصرية

منذ اللقطة الأولى، يأخذ المخرج شريف عرفة المشاهد إلى قلب المعسكرات المصرية فى أعقاب عام 1967، حين كان الحزن يملأ العيون، لكن العزيمة لم تمت. فى وسط هذه الأجواء يظهر الضابط نور، الذى جسده الفنان أحمد عز ببراعة تستحق التقدير، كرمز لضابط عاش النكسة بكل ما حملته من وجع، لكنه لم يسمح للهزيمة بأن تقتل داخله روح المقاتل. عز، فى أدائه، لم يكتفِ بتجسيد بطل عسكرى، بل قدَّم ملامح الإنسان الذى يتألم، ويغضب، ويبحث عن معنى الوطن وسط العواصف.
يقول أحمد عز: «الممر لم يكن عن الحرب فقط، بل عن الإنسان المصرى قبل أن يحمل السلاح. أردت أن أُظهر كيف ينهض المقاتل من تحت الركام ليصبح بطلاً»، ويضيف: «تدربت لشهور طويلة فى معسكرات حقيقية لأعيش تجربة الجنود، لأننى أردت أن أقدم شيئاً يُشبههم فعلاً، لا مجرد صورة بطل فى فيلم».
الفيلم الذى أنتج بميزانية ضخمة تجاوزت الخمسين مليون جنيه، لم يكن رهانه على المعارك وحدها، بل على العاطفة. شريف عرفة اختار أن يجعل الكاميرا تقترب من العيون أكثر من فوهات البنادق. تتنقل العدسة بين صحراءٍ جرداء ووجوهٍ متعبة لكنها صلبة، بين لقطات الرصاص وصمت التأمل، لتخرج لوحة سينمائية تنبض بالواقعية.
يقول عز: «أكثر ما أثر فى أثناء التصوير هو أننى كنت أشعر بأننا لا نصنع فيلماً، بل نعيش لحظة من التاريخ. كنا نحمل علم مصر ونشعر بثقله الحقيقى.»
لم يكن الممر عن نصر عسكرى بعينه، بل عن رحلة العبور النفسى التى خاضها المصريون من الهزيمة إلى النهوض. فى كل مشهد، هناك ظل لحرب الاستنزاف، لتلك السنوات التى سبقت عبور أكتوبر، حين كانت الجبهة مشتعلة بالإيمان بأن الهزيمة لن تكون نهاية الحكاية.
ويختم أحمد عز أحد تصريحاته قائلاً: «الممر علّمنى أن البطولة مش بس فى المعركة، لكن فى الصبر والإيمان. كل جندى مصرى هو حكاية بطولة تستحق أن تُروى.»
نقداً وفنياً، استطاع الفيلم أن يجمع بين الحس الملحمى والبعد الإنسانى، وأن يعيد للسينما المصرية هيبتها فى تناول موضوعات الوطن والجيش بجدية وصدق. لم يعتمد على الخطابة، بل على الصورة والموقف والموسيقى التى كتبها عمر خيرت لتزيد من وهج اللحظة.
لقد صنعت هذه الأعمال ذاكرة موازية للنصر، ذاكرة تحكى ما لم يكن يمكن الإفصاح عنه وقتها، وتعيد كتابة التاريخ بلغة قريبة من القلب والعقل.
الدراما المصرية كانت دائماً فى الصف الأول من معركة الوعى، تُذكّر الناس بأن النصر لم يكن وليد صدفة، وأن وراء كل طلقة جندى، كان هناك عقل يخطط، ورجل فى الظل يخاطر، وامرأة تساند.
فى رأفت الهجان رأينا الوطن متجسداً فى وجه رجل يبتسم وحده فى قلب العدو، وفى الطريق إلى إيلات رأيناه فى غواصين صامتين يسيرون نحو المستحيل، وفى دموع فى عيون وقحة رأيناه فى شاب بسيط حوّل الخداع إلى نصر.
هذه هى مصر التى انتصرت — مصر التى حاربت بالعقل كما حاربت بالسلاح.