نبض الكلمات
مصر بين حصار الداخل وضغوط الخارج… أين روح أكتوبر؟
تأتي الذكرى "52 " لانتصارات السادس من أكتوبر 1973 كعلامة مضيئة في التاريخ المصري والعربي، حيث جسدت إرادة شعب لا يعرف الاستسلام، وجيشا أعاد للأمة العربية كرامتها وهيبتها. واليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود على هذا النصر العظيم، تعيش مصر ظروفًا سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، لكنها ما زالت تستلهم من روح أكتوبر القدرة على الصمود والعبور نحو المستقبل…إن مصر اليوم وهي تحتفل بذكرى نصر أكتوبر المجيد، تقف على أعتاب مرحلة جديدة مليئة بالتحديات، لكنها أيضًا مليئة بالفرص، وإذا كان العبور الأول في 1973 قد حرر الأرض وأعاد الكرامة، فإن العبور الثاني المطلوب الآن هو عبور اقتصادي واجتماعي نحو الاستقرار والتنمية ، وما دامت روح أكتوبر حاضرة في وجدان المصريين، فإن المستقبل مهما بدا صعبًا سيكون حافلًا بالإنجازات والانتصارات.
ففي مثل هذه الأيام من عام 1973، عبر المصريون أصعب المحن، وانتصروا على جيش كان يُقال عنه إنه "لا يُقهر". انتصار أكتوبر لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل كان إعلان ميلاد جديد للأمة المصرية، درسًا في الإرادة والتحدي، لكن اليوم، وبعد أكثر من خمسين عامًا على ذلك النصر، نجد مصر محاصرة من كل اتجاه.. فهل نحتاج إلى أكتوبر جديد؟...
إذا كان جيش أكتوبر قد اقتحم خط بارليف في ساعات، فهل يصعب على الدولة اليوم اقتحام خط الفقر؟.. البطالة، الغلاء، تراجع الخدمات الأساسية من تعليم وصحة، كلها ألغام تهدد النسيج الاجتماعي. ورغم مبادرات كـ"حياة كريمة"، إلا أن الفجوة بين الغني والفقير تتسع. الشعب الذي صنع معجزة أكتوبر يستحق عدالة اجتماعية حقيقية، لا شعارات إعلامية تُلقى على الشاشات…فروح أكتوبر..الغائبة الحاضرة.
في 1973، الشعب والجيش والقيادة كانوا على قلب رجل واحد...ومازالوا، وهذا ما يتميز به الشعب المصري الوطني.. إسرائيل في 73 كانت العدو الواضح، أما اليوم فعدونا الحقيقي هو الفساد والظلم والاحتكار وسوء الإدارة ، وإذا لم نواجه هذه المعركة بالروح نفسها التي واجهنا بها إسرائيل، فإن الهزيمة ستكون من الداخل قبل أن تكون من الخارج.
تتعرض مصر لأصعب ضغوط مثل ملف غزة والتهجير، أخطر ما يُطرح اليوم هو محاولة فرض تهجير الشعب الفلسطيني من غزة إلى سيناء، بما يعني نقل الأزمة إلى داخل مصر وتفجير أمنها القومي كذلك سد النهضة فهو تهديد مباشر لحياة المصريين المائية، ومصدر ابتزاز سياسي واقتصادي مستمر , دوائر النار على الحدود, من ليبيا إلى السودان، ومن البحر الأحمر إلى شرق المتوسط، تُحاصر مصر بأزمات إقليمية متفجرة تستنزف جهدها ومواردها.
انتصارات أكتوبر أثبتت أن المستحيل يمكن كسره، وأن مصر قادرة على العبور مهما كان الثمن. لكن السؤال: هل لدينا اليوم شجاعة اتخاذ قرار حرب اقتصادية ضد الفساد والفقر مثلما خضنا حربًا عسكرية ضد إسرائيل؟ أم أننا سنكتفي بالاحتفال بذكرى النصر بينما تنهشنا أزمات الداخل والخارج؟..إن مصر لا ينقصها الأمل ولا الرجال، لكنها تحتاج إلى عودة روح أكتوبر، لا كذكرى عابرة، بل كمنهج حياة، كي تعود الدولة قوية كما كانت يوم عبر جنودها قناة السويس وحطموا أسطورة الجيش الذي لا يُقهر... إن مصر اليوم في قلب معركة وجودية لا تقل خطورة عن معركة 1973، لكنها معركة بأدوات مختلفة، سياسية واقتصادية وإعلامية. وكما تحطم خط بارليف تحت أقدام الجنود المصريين، فإن مخططات التهجير والابتزاز والحصار يمكن أن تتحطم بروح الصمود والإرادة ، الرسالة التي يكتبها التاريخ واضحة، من انتصر بالأمس على إسرائيل، لن يهزمه اليوم حصار ولا ضغوط. روح أكتوبر باقية… وهي سلاح مصر الحقيقي في وجه كل المؤامرات.
رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام اتحاد المرأة الوفدية
[email protected]