قضية ورأى
بين «قميص عثمان» و«حصان طروادة»
ربما يكون البناء السياسى فى مصر، غير مكتمل حتى الآن. لكن مالا يدرك كله، لايترك كله.
فالبناء يحتاج إلى سنوات وسنوات.. ومن الضرورى أن نضيف، لا أن نتحرك إلى الوراء.
فى السنوات العشر الأول من عهد مبارك، كانت هناك أحزاب قوية، وكان هناك سياسيون، بعضهم صقلته التجربة الليبرالية قبل 1952 على اختلاف الانتماءات، وآخرون تخرجوا من المدرسة الناصرية، وطبعا كوادر الإخوان.
ورث مبارك عام 1981، نظاما حزبيا وليدا من الرئيس السادات.
كان عمر الحزب الوطنى وقتها ثلاث سنوات فقط.. وهى لم تكن كافية ليتغول فى مفاصل الدولة كالاتحاد الاشتراكى، رغم أنه ضم رئيس الدولة وغالبية الوزراء والإدارة المحلية.. وبالطبع جانب كبير من رجال الاتحاد الاشتراكى.
أو ربما كانت تجربة التعددية التى بدأها السادات بنظام المنابر عام 1976 (اليمين واليسار والوسط)، فى مرحلة الاختبار الثانى، بعد فشل الاختبار الأول والإطاحة ببرلمان 1976 1979 إثر اعتراض نوابه على «كامب ديفيد».
فقد دفع الثمن وقتها 20 نائبا اعترضوا على المعاهدة، أبرزهم القطب الوفدى على سلامة، والبرلمانى الوفدى الأشهر المستشار ممتاز نصار، الذى ما إن بدأت الحكومة التزوير ضده فى انتخابات 1979 حتى حاصر أنصاره ديوان مركز البدارى فى أسيوط مدة 3 أيام، ثم أعلنوا نجاحه تجنبا لحدوث مجزرة.
فالسلطة كانت تختبر سقف المعارضة وحركتها، بينما المعارضة تختبر جدية السلطة فى إقرار التعددية ومن ثم التحول للديمقراطية.
ومن يقارن مقاعد المعارضة فى مجلسى 1984 و1987، بمجالس 1990 و1995 و2000، سيكتشف الفارق، رغم وقائع التزوير فى جميع المجالس والمثبتة بتقارير محكمة النقض.
ففى الثمانينيات كان هامش الحركة أكبر، رغم استغلال الإخوان المسلمين لهذا الهامش، تارة مع الوفد تحت شعار «عودى يا مصر إسلامية» وتارة مع حزبى العمل والأحرار تحت شعار «الإسلام هو الحل».
لكن فى التسعينيات وحتى 2010، كانت أجهزة الدولة لصيقة بالحزب الوطنى، ومسخرة فى خدمته، ومسخرة أيضا فى إسقاط مرشحى المعارضة.
ورغم أن مبدأ الفصل بين السلطات من أهم ركائز الدولة الحديثة التى تسعى إلى ترسيخ الديمقراطية وتحقيق التوازن بين مؤسسات الحكم، فإنه كان حبرا على ورق.
فبعض الوزراء كانوا نوابا أيضا، ويجمعون بين مقاعد الوزارة ومقاعد الرقابة.. وكان محافظ الإقليم يحضر اجتماع ترشيحات الحزب الوطنى مع أمين الحزب فى المحافظة وأمين التنظيم بوجود رئيس الجمهورية.
الآن، تغير الوضع كثيرا، بوجود الإشراف القضائى، وبوجود رغبة حقيقية لدى القيادة السياسية، فى النأى بنفسها عن عباءة الحزبية.
وهو أمر يستحق التقدير، لأن الإشراف القضائى كان مطلبا ملحا للمعارضة، وأذكر كيف كان الوفد يتبناه أملا فى القضاء على تزوير الانتخابات.
ويبقى دور رجل الشارع، فى تجاوز هاجس انتخابات التسعينيات، وتجاوز «قميص عثمان» الذى يرفعه أنصار الإخوان، وأقصد به انتخابات 2012 التى أوقفوا عجلة التاريخ عندها.
ربما هناك سلبيات، ومن الواجب أن تصححها الدولة، وأذكر منها مؤتمرا حزبيا عقد قبل أيام، وظهر فيه المتحدث الرسمى لمحافظة المنوفية، وهو يكيل الثناء لقيادات حزبه، مما يبعث رسالة أن ديوان عام المحافظة بكامله ودواوين المديريات تدعم المتحدث فى انتخاباته.. وهو أمر ضد المنطق.
ولا أعرف صراحة، من يسمح بهذا الخلط ؟ وهل هى بداية ممنهجة لتسكين قيادات حكومية فى مواقع حزبية أو برلمانية بمنطق «حصان طروادة».
قد يكون هناك دعم مستتر، وهو أهون من الخلط العلنى بين الدولة وأى حزب، فعظيم النار يأتى من مستصغر الشرر، ونحن أبعد ما نكون عن الحاجة لصناعة حزب وطنى جديد.