بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

خارج السطر

ماذا حدث للمصريين بعد 2011؟

«تغيرت البلادُ ومَن عليها/ فوجهُ الأرضِ مُغبرٌ قبيحُ/ تغيّر كل ذى لونٍ وطعمٍ/ وقلَّ بشاشة الوجه المليحُ». هكذا عبّر شاعر عربى مجهول عن التحولات الإجتماعية المُزعجة التى لاحظها حوله مع امتدادا العُمر.

وهذا ما يحدث فى كل مُجتمع كل فترة من الزمن إذ تهبط قيّم، وتتغيّر سلوكيات، وتسطع سمات لم تكُن ظاهرة، وهو ما جرى بقوة فى مصر فى السنوات العشر الأخيرة، ويحتاج إلى توثيق ودراسات.

فى عام 1996 أعدت مجلة الهلال ملفا شاملا حول مستجدات المشهد الإجتماعى فى مصر، واستكتبت عددا من المفكرين، كان من بينهم الراحل الدكتور جلال أمين أستاذ علم الإجتماع، وكان مقاله مُهما ولافتا، ما دفعه إلى تطويره لاحقا ليصدر فى 1998 كتابه الأشهر «ماذا حدث للمصريين فى نصف قرن1945-1995».

فى هذا الكتاب المُهم رصد المفكر الراحل تغيرات إجتماعية لافتة فى مصر مثل انتشار القيم المادية، وتنامى الرغبة فى الثراء السريع، وضعف روح العمل الجماعى والتضامن، وانتشار منظومة الفساد، وبروز وطغيان ظاهرة التعصب الدينى. فضلا عن ظهور أنماط جديدة من الجرائم لم تكن معروفة من قبل، واتساع نطاق العنف. إلى جانب تدهور التقدير للمرأة، وخفوت الفن، وتقوقع الثقافة.

ورغم اختلاف البعض مع تفسيرات المؤلف، وجنوحه لتحميل حقبة الرئيس أنور السادات مسئولية التدهور الحادث، إلا أن العمل فى حد ذاته فتح الباب لطلات متكررة على حركة المجتمع المصرى وتغيراته وتحولاته فيما بعد.

بعد يناير 2011، ويونيو 2013 ارتج المجتمع المصرى بتغيرات سياسية مُدهشة، استبعد نظام، وحلّ مكانه غيره، ثُم زال سريعا، ولاح آخر. انزوت تيارات سياسية وكمُنت تيارات، وظهرت كيانات جديدة. تزلزلت مؤسسات، سقطت أقنعة، تبدلت وجوه،اختبرت أفكار، وتغيرت أوضاع. توارت طبقة عُليا، وحلّ محلها طبقة أخرى من الأثرياء المستجدين، وأصبح المُجتمع غير المُجتمع، والناس غير الناس، وبالضرورة صارت السلوكيات العامة على غير ما كان.

فى الوقت ذاته، فإن تسارع التغيرات العالمية والإقليمية، والصراعات المستعرة، والتطور التكنولوجى المذهل كانت له آثار مباشرة على المجتمع جعلته أكثر تفتتاً واستغراباً.

كانت الملاحظة الأهم لبعض خبراء الإجتماع أن المصريين بعد 2011 يختلفون تماماً عن المصريين قبل 2011.

شملت السمات المُستجدة على الناس: طغيان الفردية، وغلبة المادية، وانحلال التماسك الإجتماعى. بان واضحاً أن الاتصال الأقوى مع العالم الخارجى زعزع التميز الوطنى فى الملبس والمظهر. تبدد الاهتمام بالشأن العام، وزاد التشكك فى التصريحات الرسمية، انزوت الرومانسية وأصيبت العلاقات الأسرية بالبرود.

وظهرت فى مصر أنماط جرائم لم تكن موجودة من قبل مثل القتلة المتسلسلين، وتجارة المشاهد البشعة، والسطو على الأعضاء جبراً.

ومع تسجيل عدد مستخدمى مواقع التواصل الإجتماعى فى مصر لأعلى رقم فى العالم العربى ( أكثر من خمسين مليوناً وفقاً لأحدث الإحصائيات) سطعت فكرة مُجتمع المنصة، ليتغير مفهوم الجمهور فى الذهنية العامة سواء للفن أو الإبداع أو الصحافة من الجمهور التقليدى المباشر، إلى الجمهور الرقمى.

صحيح أن مُجتمع المنصة ولَّد آلاف فرص العمل لربات بيوت، وظرفاء، وأذكياء، وصناع محتوى أكفاء وحولهم إلى نجوم ومشاهير يعرفهم الناس فى الطرقات، لكنه قضى على حلقات أخرى من المهن التقليدية التى كان يعمل فيها المرتبطين بالجمهور الواقعى. كما خفت التأثير الفنى الدرامى والسينمائى والموسيقى، وشهد الذوق العام تدهوراً كبيراً.

ولا شك أننا فى حاجة لنقرأ ما جرى، لماذا، وكيف، لنُدرك مآلات المسُتقبل لأبنائنا ولأجيال جديدة قادمة.

والله أعلم

 

[email protected]