شرطة مائلة
حرب أكتوبر بين سرديات الذاكرة وتحديات التعلم
تمرّ اثنتان وخمسون سنة على حرب أكتوبر 1973، وما تزال هذه الحرب حاضرة بقوة في الذاكرة الجمعية لمصر والعالم العربي وإسرائيل، فهي لم تعد مجرد مواجهة عسكرية ضخمة، بل تحولت إلى مرآة للهوية وإعادة إنتاج السرديات الوطنية والتاريخية، ففي الوعي المصري والعربي ارتبطت أكتوبر باستعادة الكرامة ومحو آثار الهزيمة السابقة، أما في الوعي الإسرائيلي فقد تجسدت كأكثر الحروب إيلامًا منذ قيام الدولة، وبقيت رمزًا للمفاجأة والانكسار النفسي العميق.
لم يكن اندلاع الحرب في السادس من أكتوبر مجرد عملية عسكرية لاسترداد الأرض، بل شكّل لحظة مفصلية كسرت صدمة 1967، وأعادت رسم خريطة السياسات العسكرية والنفسية وحتى الأدبية في المنطقة، ولهذا بقيت حرب أكتوبر حدثًا مركزيًا يثير النقاش حول القيادة والخطأ والانتصار، وحول ما تعنيه الهزيمة والانتصار في الذاكرة الجمعية للشعوب.
في إسرائيل، التي تسميها "حرب يوم الغفران"، لم تفقد الحرب مركزيتها رغم مرور عقود، فهي تُروى في الخطاب الإسرائيلي كسلسلة من المفاجآت القاسية التي عرت هشاشة المنظومة الاستخباراتية والقيادية، تقول السردية التقليدية إن نشوة ما بعد 1967 ملأت إسرائيل بالغرور، وجعلتها تتجاهل تحذيرات وعروض سلام مصرية، لكن أبحاثًا نقدية حديثة تراجع هذا الطرح، مؤكدة أن الجيش الإسرائيلي لم يكن في حالة سبات، بل واصل شراء السلاح والتدريب وتطوير قدراته، فالمفاجأة إذن لم تكن بسبب "كسل جماعي"، بل نتيجة ثغرات تقديرية وأخطاء بنيوية في فهم المصريين، لذلك ظل الجدل قائمًا بين من يرى الحرب فضيحة استخباراتية، ومن يراها اختبارًا أظهر أيضًا مدى قدرة إسرائيل على التعافي، هنا يتبدى التناقض ما بين اعتراف بوجود أخطاء فادحة، وفي الوقت نفسه محاولة لتثبيت سردية "الصمود الإسرائيلي والنصر الجزئي"، ويظهر أثر هذا التناقض على سبيل المثال في المناهج التعليمية الإسرائيلية التي تعيد صياغة أسباب الحرب لتبرئة القيادة السياسية من تصلبها ورفضها مبادرات السلام، وهو ما يكشف رغبة في التحكم بالذاكرة الجمعية الإسرائيلية وتوجيهها نحو تبرير السياسات الراهنة.
أما في مصر، فقد غدت حرب أكتوبر لحظة استثنائية تلتقي عندها معاني الوطنية والبطولة، ليس فقط في الخطاب الرسمي، بل أيضًا في الوجدان الشعبي والدراما والاحتفالات، تُروى الحرب هنا بوصفها ملحمة العبور وتحطيم خط بارليف ورفع العلم المصري، صورة مؤسسة للوعي الوطني العربي، غير أنّ هذا الاحتفاء لا يمنع الحاجة إلى قراءة نقدية للتجربة، تكشف عن الثغرات اللوجستية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي واجهت الدولة بعد الحرب، ومع ذلك تبقى أكتوبر رمزًا للتحول التاريخي الذي أجبر إسرائيل على التفاوض، وأعاد للعرب ثقتهم بقدرتهم على المواجهة.
اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، تظل حرب أكتوبر موضع قراءة متعددة، في إسرائيل كجرح مفتوح ودروس قاسية، وفي مصر والعالم العربي كرمز للكرامة والانتصار الممكن. والأهم أن تُستثمر هذه الذكرى لا فقط في الاحتفاء، بل في النقد والتعلم وإعادة بناء القدرات، ليصبح الماضي قوة دافعة نحو المستقبل.
محمد عبد الدايم هندام، كاتب وشاعر، صحفي حر، أكاديمي، مُحاضر الأدب العبري الحديث والدراسات الإسرائيلية، كلية الآداب، جامعة المنصورة، مصر
https://www.facebook.com/MoHendam
https://x.com/MoHendam
[email protected]