إطلالة
صفعة على وجه نتنياهو
في مشهدٍ يُجسّد حجم العزلة السياسية التي باتت تواجهها إسرائيل تحت قيادة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، خلت القاعة الرئيسية للجمعية العامة للأمم المتحدة من أغلب بعثات الدول الأعضاء لحظة دخوله لإلقاء كلمته، في تصرّف نادِر يعكس رفضًا دوليًا صارخًا لسياسات الاحتلال، وعلي وجه الخصوص ما يحدث بغزة، حيث تزداد الانتقادات حول العدوان الوحشي المستمر منذ سنوات.
الخطاب الذي كان من المفترض أن يكون “لحظة سياسية فارقة”، تحوّل إلى صفعة دبلوماسية تلقاها نتنياهو أمام أعين العالم، بعد أن قرّرت معظم الوفود مغادرة القاعة، احتجاجًا على سياساته ومواقفه العنصرية، وسقوطه السياسي والأخلاقي في ملف غزة.
في محاولة واضحة للفت الأنظار، ظهر نتنياهو على منصة الجمعية العامة وهو يرتدي ملصقًا يحتوي على رمز "استجابة سريعة" أو ما يُعرف بـ"QR Code"، طالبًا من الحاضرين مسحه بهواتفهم المحمولة، قائلًا:
"امسحوا هذا الرمز لتروا لماذا نقاتل ولماذا يجب أن ننتصر".
إلا أن هذا العرض الترويجي لم يُفلح في صرف الأنظار عن الواقع القاتم، الذي يصنعه نتنياهو وحكومته في غزة. فبدلًا من جذب الانتباه لقضية "الرهائن"، كما أراد، بدا الموقف برمته وكأنه استعراضٌ رخيص في محفل دولي رفيع المستوى.
تصرفات نتنياهو لم تُقنع أحدًا، وظهر كمن يحاول تسويق روايته المهترئة عن "الدفاع عن النفس"، في وقتٍ تتحدث فيه تقارير الأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان، عن جرائم حرب متكررة ترتكبها قوات الاحتلال بحق المدنيين في غزة.
في الداخل الإسرائيلي، لم تعد الأمور تسير كما يشتهي نتنياهو. فموجة الغضب الشعبي تتصاعد يومًا بعد يوم، بفعل تداعيات الحرب المستمرة، والفشل الأمني الذريع الذي تجلى في 7 أكتوبر، حين نفذت حركة "حماس" عملية مفاجئة أربكت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بكاملها.
ورغم مرور عام على اندلاع الحرب، لا يزال نتنياهو يرفض تحمّل المسؤولية، متشبثًا بموقعه، مدفوعًا برغبة شخصية في الهروب من ملفات الفساد التي تلاحقه منذ سنوات. وفي الوقت الذي فقد فيه آلاف الإسرائيليين أبناءهم وأحباءهم، يقف نتنياهو صامتًا، بل ماضيًا في غيّه، وكأن الحرب وسيلة للبقاء السياسي، لا مصلحة وطنية.
احتجاجات أسبوعية تملأ شوارع تل أبيب وحيفا والقدس، تطالب برحيله، واتهامات داخلية تصفه بأنه السبب الأول في نكبة أكتوبر الأمنية، واستمرار المأساة في غزة، وتدهور صورة إسرائيل على المستوى الدولي.
خلال الجمعية العامة، بدت صورة العزلة أوضح من أي وقت مضى. فور دخول نتنياهو القاعة، غادرت معظم الوفود الدبلوماسية مقاعدها، في تصرفٍ يُفهم منه أن العالم سئم الرواية الإسرائيلية المتكررة، ويدرك أن ما يحدث في غزة ليس دفاعًا عن النفس، بل عدوان ممنهج لا يفرّق بين طفل وامرأة أو مريض.
حتى حين توجّه نتنياهو إلى حماس بتهديده المباشر، قائلاً:
"أطلقوا سراح الرهائن الآن وإلا سنطاردكم"، لم يكن هناك من يُصغي، بعدما بدت قاعة الجمعية العامة شبه فارغة، ما شكّل صفعة معنوية له ولحكومته، وخاصة أن ما حدث كان في ظل تغيب داعميه التقليديين عن الرد، أو حتى التضامن. بل إن كثيرًا من التحليلات وصفت الموقف بأنه أكبر إهانة دبلوماسية لإسرائيل منذ عقود، وجاءت نتيجة طبيعية لتراكم الانتهاكات التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين.
منذ اندلاع الحرب الأخيرة، تجاوز عدد الشهداء في غزة 35 ألفًا، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى تدمير البنية التحتية، وتهجير عشرات الآلاف من السكان. المجازر تتوالى، وصور الدماء والدمار تملأ الشاشات، فيما يُصر نتنياهو على تجاهل كل ذلك، متمسكًا بخطابه المُكرر: “نحارب الإرهاب”. لكن، أين المنطق في أن تُقصف مدارس الأونروا؟ وأن تُستهدف المستشفيات؟ وأن تُحاصر المساعدات؟ أين المبرر الأخلاقي في منع الوقود عن حضانات الأطفال، أو حرمان المرضى من الخروج لتلقي العلاج؟ هذه أسئلة يطرحها العالم، فيما يرفض نتنياهو الإجابة، ويواصل التحريض.
تعنّت نتنياهو لا يأتي من فراغ. ففي خلفية المشهد، تقف المحكمة الجنائية الدولية، والتي تنظر في ملفات متعلقة بجرائم ارتكبتها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية عاجزة عن إتخاذ أحكام ضد الأفعال والجرائم المشينة التي يرتكبها نتنياهو.
وقد كشفت تقارير مؤخرًا عن سعي حكومة نتنياهو، عبر تحالفاتها الغربية، للضغط على المحكمة ومنع إصدار مذكرات توقيف بحقه وبحق قادة آخرين في حكومته.
ويبدو أن إطالة أمد الحرب، وإبقاء “ملف الرهائن” حيًا، هو أحد أدواته للهروب من المحاسبة الدولية، في محاولة يائسة لتبرير جرائمه أمام المجتمع الدولي.
الانقسام السياسي داخل إسرائيل آخذ في التفاقم. حتى داخل الائتلاف الحاكم، تتزايد الأصوات التي ترى في نتنياهو عبئاً سياسياً لا يمكن تحمّله. وزراء يعارضون قراراته، وأعضاء كنيست يدعون لانتخابات مبكرة، بينما يعاني الجيش من أزمة معنوية وتخبط ميداني، بفعل غياب استراتيجية واضحة للخروج من المأزق في غزة. لقد بات من الواضح أن بقاء نتنياهو في الحكم لا يخدم إلا نفسه، بينما يدفع المدنيون – في الجانبين – ثمنًا باهظًا لمقامرته السياسية.
قد تكون كلمات نتنياهو في الأمم المتحدة آخر استعراضٍ سياسي له على الساحة الدولية بهذا الشكل. فالعالم تغيّر، والنظام الدولي بات يُدرك أكثر من أي وقتٍ مضى حجم الظلم الواقع على الفلسطينيين، خصوصًا في غزة.