180 ألف حالة سنوياً:المستشفيات بيت الداء
الإهمال داخل مستشفى ٦ أكتوبر يصيب المرضى بالعمى
فرق مكافحة العدوى بالمستشفيات حاضرة على الورق غائبة على أرض الواقع
النائبة إيرين سعد: قانون المسئولية الطبية يحمى حقوق المريض والطبيب
د. محمد مبروك: التعقيم فى المستشفيات ضرورة لحماية حياة المرضى
رغم أن المستشفيات يفترض أن تكون الملاذ الآمن لطلب الشفاء، إلا أن الواقع يكشف عكس ذلك، تلوث طبى، قصور فى التعقيم، وإهمال فى بروتوكولات مكافحة العدوى، عدة عوامل كفيلة بتحويل غرفة العمليات من مكان يعيد الصحة إلى مصدر للعجز، وما حدث داخل مستشفى 6 أكتوبر للتأمين الصحى بالدقى، ليس حادثاً فردياً، إنما كارثة طبية تؤكد وجود خلل فى المنظومة الصحية بأكملها.
حتى الآن لا توجد احصائيات رسمية بعدد حالات الإهمال الطبى فى مصر ولكن هناك أرقاماً تشير إلى وجود حوالى 180 ألف حالة خطأ طبى سنوياً، أرقام تكشف عن أزمة كبيرة بالمنظومة، فالأمر ليس متعلقاً بأخطاء الأطباء فقط بل ممتد إلى ضعف التدريب وغياب الرقابة على تطبيق معايير مكافحة العدوى داخل المستشفيات، سواء كانت حكومية أو خاصة، وهو ما ينذر بكارثة بعد أن تحولت المستشفيات من مكان للعلاج إلى بيت للداء ونقل العدوى بأخطر الأمراض، أو إصابة المواطنين بعاهات مستديمة لا شفاء منها.

هذه كلها كوارث تستحق الخوف والتحقيق فيها ومحاسبة المسئولين عنها، وأحدث مثال على ذلك حالات عمليات المياه البيضاء وزرع العدسات بمستشفى التأمين الصحى بالدقى حيث خرج عدد من المرضى مصابين بالتهابات حادة فى العين، وتدهور فى الحالة وانتهى الامر ببعضهم إلى تفريغ العين كاملة.
ورغم إعلان وزارة الصحة إحالة الواقعة إلى النيابة العامة وتوجيه وزير الصحة الدكتور خالد عبدالغفار بايقاف الأطباء المشاركين فى العمليات، وإنهاء تكليف مدير المستشفى، بعد كشفت التحريات وجود تقصير واضح فى الالتزام ببروتوكولات مكافحة العدوى، فإن هذا الأمر يطرح عدة تساؤلات منها أين كانت فرق مكافحة العدوى والرقابة قبل وقوع الكارثة؟
الإهمال الطبى
لم يكن يتخيل محمد حسين، مدرس اللغة العربية، أن رحلة علاجه من المياه البيضاء ستتحول إلى كابوس ينتهى بفقدان بصره دخل غرفة العمليات فى مستشفى 6 أكتوبر للتأمين الصحى، وعملية يفترض أنها بسيطة، لكنه خرج منها بعين ملوثة وصديد لا يتوقف.
ابنه عبدالرحمن يروى تفاصيل ما حدث قائلاً: «والدى أجرى العملية أول سبتمبر الحالى على يد الطبيبة سحر عبدالله، وبعد خروجه مباشرة بدأ يعانى من آلام شديدة غير طبيعية، وصديد متواصل من العين. فى اليوم التالى أكد الأطباء وجود التهاب بكتيرى حاد».
وأضاف أن الأسرة فوجئت باختلاف أقوال الأطباء، إذ طمأنهم الدكتور حافظ محمد حافظ يوم 3 سبتمبر على الحالة وانه لا يحتاج لمزيد من الحقن، فى الوقت الذى كانت البكتيريا تتآكل فى العين. وتابع: «كانوا يصرون على أن يخرج والدى من المستشفى بأى شكل، رغم تدهور حالته، وكأن الهدف إبعاد المسؤولية عن أنفسهم».
مع تدهور الحالة، أبلغ الأطباء الأسرة يوم 6 سبتمبر بضرورة إجراء عملية تفريغ كامل للعين لمنع انتقال العدوى إلى المخ أو العين الأخرى، وهو القرار الذى صدم الأسرة وأدخلهم فى حالة انهيار.
وأكد عبدالرحمن نجل المريض أن إدارة المستشفى حاولت اخفاء الواقعة والهروب من المسؤولية، مشيراً إلى أن التقارير الأولية نسبت العدوى إلى المريض نفسه، وهو ما استدعى تدخل النيابة الإدارية بعد ورود شكاوى متكررة ضد المستشفى.
الأسرة أعلنت أنها اتخذت الإجراءات القانونية للحصول على حق والدهم، الذى فقد بصره نتيجة مضاعفات العملية، بينما ينتظرون التقرير النهائى من قصر العينى بعد نقله إليه.
واختتم عبدالرحمن حديثه قائلاً: «نحن مؤمنون بقضاء الله، لكننا نطالب بمحاسبة كل من تسبب فى هذه الكارثة، حتى لا تتكرر المأساة مع مرضى آخرين».

الحاجة شادية
الأمر لم يختلف كثيراً عن حالة الحاجة شادية يحكى نجلها عبدالمنعم، تفاصيل ما حدث لوالدته قائلاً الحمد لله على قضاء ربنا، لكن الأمل أن يتحقق العدل ويكون ما حدث لوالدتى درساً يحمى غيرها من الوقوع فى نفس المأساة، والدتى دخلت المستشفى لإجراء عملية إزالة مياه بيضاء وزرع عدسة، وهى عملية يفترض أنها لا تستغرق وقتا طويلاً وبالفعل خرجت من غرفة العمليات، وعادت إلى المنزل بعد ساعات لكن بمجرد زوال تأثير البنج، لاحظت الأسرة أن الأم لا ترى شيئاً.
واستمر معها ألم شديد غير محتمل لمدة تسعة أيام متواصلة، حتى أنها لم تكن قادرة على الأكل أو الشرب من شدة الوجع، حاولت الأسرة التواصل مع المستشفى للاستفسار عن السبب لكنهم فوجئوا بإنكار كامل من الإدارة والأطباء، وكأن المشكلة لا تخصهم وبعد ضغط متواصل للحصول على تفسير أخبرهم الأطباء بأن هناك ميكروباً أصاب العين لكن دون أى اعتراف بالتقصير أو تحمل المسؤولية، ومع تدهور الوضع تحولت الحالة إلى قصر العينى، وهناك كانت الصدمة لابد من تفريغ كامل للعين بعد أن فقدت وظيفتها.
يؤكد عبدالمنعم أن رسالته ليست شخصية، بل موجهة إلى المنظومة الصحية كلها. يتساءل: «هل أجساد الناس أصبحت للتجارب؟ هل من السهل إطفاء نور عين إنسان بهذه البساطة؟ وشدد على ضرورة أن يتحمل كل مقصر مسئوليته، لأن الإهمال فى حياة الناس لا يمكن تبريره أو التساهل معه.
وأضاف أنه تم تحرير محضر لإثبات ما حدث، مؤكداً ثقته فى القضاء المصرى، فى محاسبة كل من أخطأ وتسبب فى هذه الكارثة وأن حق والدته سيعود مهما طال الوقت.
لم تتوقف المأساة عند محمد حسين والحاجة شادية فقط، بل تكررت مع عدد من المرضى الآخرين داخل مستشفى 6 أكتوبر حيث خضعوا لعمليات إزالة مياه بيضاء وزرع عدسات، ليجدوا أنفسهم بعد أيام أمام كارثة فقدان البصر. وأكد أسر المرضى أن العمليات التى كان يُفترض أن تعيد لهم القدرة على الرؤية، تحولت إلى باب جديد من المعاناة المستمرة، بعد إصابتهم بمضاعفات خطيرة انتهت بتفريغ العين بالكامل فى بعض الحالات.
حيث قالت رشا أحمد فى رسالة موجهة إلى وزير الصحة: «أنا رشا أحمد عبدالمعطى بنت الحاجه نجاح ربيع عبداللطيف امى إحدى الحالات إلى مش بس فقدت بصرها أمى للأسف فقدت هيكل عينها كله، بعد قرار وزير الصحة بإحالة الواقعة للنيابة العامة بنطالب سيادة النائب العام بالقصاص لينا كلنا».
النائبة إيرين
أكدت النائبة إيرين سعيد أن ما حدث بمستشفى 6 أكتوبر للتأمين الصحى يؤكد أهمية قانون المسئولية الطبية، الذى يفرق بين حالات الإهمال الطبى وأخطاء المريض وعدم التزامه بالتعليمات الطبية بعد العملية. وأوضحت أن هذا القانون يمثل خطوة اساسية فى إنصاف المريض وحماية حقوق الطبيب فى الوقت ذاته، لأنه يضع إطارا منظما يحدد المسؤولية بدقة بعيدا عن الاجتهادات.

وأشارت إلى أن وزارة الصحة تعاملت مع الواقعة بسرعة وأصدرت بيان رسمى قوى وإجراءات فورية، وتعتبر ذلك خطوة جيدة ومهمة، لكنها غير كافية وحدها، مؤكدة أن تشديد الرقابة على المستشفيات هو العامل الحاسم لتفادى تكرار مثل هذه الكوارث.
وأضافت أن تكرار حدوث إصابات مشابهة فى أكثر من حالة خلال فترة قليلة يوضح أن فريق مكافحة العدوى فى المستشفى لم يؤد دوره بالشكل المطلوب، سواء على مستوى الرقابة الداخلية أو من خلال الجهات الخارجية المفترض أن تتابع تطبيق معايير السلامة والتعقيم.
وشددت النائبة على أن الكارثة تمثل جرس إنذار بضرورة إعادة النظر فى آليات المتابعة داخل المستشفيات، بحيث يكون هناك التزام صارم بإجراءات مكافحة العدوى، لأن أى خلل فى هذا الجانب يهدد حياة المرضى ويهز ثقتهم فى المنظومة الصحية.
تعليق طبى
علق الدكتور محمد مبروك طبيب الاطفال وحديثى الولادة بأن التعقيم فى المستشفيات ليس مجرد إجراء روتينى بل هو مسألة جوهرية تتوقف عليها حياة المرضى وسلامتهم، وهو أمر يخضع بالأساس للضمير المهنى بقدر ما يخضع للمنظومة الرقابية، موضحاً أن مكافحة العدوى عملية معقدة ودائرة مغلقة، وأى خلل فى أحد عناصرها قد يؤدى إلى كارثة صحية، ويختلف تأثير العدوى على المريض بحسب نوع البكتيريا وشراستها، وقوة الجهاز المناعى لكل مريض.
وأشار مبروك إلى أن الرقابة على غرف العمليات موجودة نظرياً لكن فعاليتها تتوقف على قوة المنظومة وقدرة الأفراد على الالتزام، مشدداً على أن الخطوة الأولى لمكافحة العدوى تبدأ من توافر الإمكانيات اللازمة وتدريب الكوادر على أحدث الأساليب، والتقصير فى هذا الجانب تتحمله الإدارة المسئولة عن التعليم والرقابة.
وتحدث مبروك عن أزمة الثقة بين المريض والمنظومة الصحية، قائلاً: «المريض غالباً يحمل الطبيب والممرض مسئولية نقص الإمكانيات، وهو ما يزيد الأزمة». واستعادة هذه الثقة تحتاج إلى مسار طويل يبدأ بتعريف المريض بحقوقه وواجباته، وتوضيح الفارق بين الحالات الطارئة وما يمكنها الانتظار، إلى جانب توفير الأمان القانونى لأفراد الطاقم الطبى.
وفى النهاية أكد ضرورة وجود قوانين رادعة، مثل المطبقة فى القانون السعودى، لحماية الطاقم الطبى من التعديات، إلى جانب توفير الإمكانيات اللازمة للمريض. عندها فقط يمكن أن تستعاد الثقة بين المواطن والمنظومة الصحية».

أخصائى العيون
أكدت الدكتورة سلوى فرح، أخصائية العيون بمستشفى دار السلام العام، أن أول خطوة لتفادى تكرار مثل هذه الكوارث هى توفير الإمكانيات اللازمة لإجراء تعقيم فعال داخل غرف العمليات، مشيرة إلى أن بعض الأدوات والأجهزة المستخدمة فى جراحات المياه البيضاء يجب أن تكون مخصصة للاستعمال لمرة واحدة فقط رغم تكلفتها العالية، لكنها تظل الوسيلة الأكثر أمانا لحماية المرضى من العدوى.
وشددت على أن التعقيم ليس مجرد إجراء روتينى، بل منظومة متكاملة تبدأ من الأجهزة وتنتهى بتدريب الأطقم الطبية، موضحة أن توفير الدورات المتخصصة فى مكافحة العدوى سواء للأطباء أو لهيئة التمريض يمثل عنصراً أساسياً فى الحد من المضاعفات.
وأوضحت أن إلقاء المسئولية بالكامل على الطبيب أمر غير منصف، إذ إن بعض المشكلات قد تنتج عن قصور فى الإمكانيات أو عن عوامل تتعلق بالمريض نفسه، مشيرة فى الوقت ذاته إلى أن دور الطبيب يبقى محورياً فى سرعة اكتشاف أى مضاعفات مبكرة.
وحذرت «فرح» من الاستهانة بأى أعراض بعد العملية، مؤكدة أنه فى حال شعور المريض بآلام شديدة فى العين مع وجود احمرار ملحوظ أو تراجع فى مستوى الرؤية، فإن ذلك يستدعى مراجعة الطبيب فوراً دون تأجيل، لأن التدخل السريع قد ينقذ العين من فقدان وظيفتها.