لغز كيميائي في أعماق الجليد يشعل جدلًا علميًا واسعًا
أثار اكتشاف غير معتاد لعنصر البلاتين في أعماق الغطاء الجليدي في جرينلاند موجة من الجدل العلمي، بعدما أشار بعض الباحثين إلى احتمال أن يكون هذا التوقيع الكيميائي دليلاً على اصطدام مذنب أو نيزك بالأرض قبل نحو 12800 عام.
ويتزامن هذا الحدث المفترض مع بداية فترة مناخية باردة تُعرف باسم "درياس الأصغر"، وهي إحدى أبرز التحولات المناخية في التاريخ الحديث للكوكب.
فرضيات متباينة
بين الفضاء والبركان: ما الذي سبّب هذا البلاتين؟
في عام 2013، رصد علماء زيادة ملحوظة في تركيزات البلاتين في نواة جليدية تعود لتلك الحقبة، ما دعم نظرية الاصطدام الفضائي. إلا أن أبحاثًا جديدة قدمت تفسيرًا أبسط وأكثر ترجيحًا، مفاده أن هذه التركيزات ربما تكون ناتجة عن نشاط بركاني مكثف حدث في أيسلندا. ويستند هذا التفسير إلى التشابه بين البصمة الكيميائية للبلاتين الموجود في الجليد وتلك الناتجة عن مكثفات الغازات المنبعثة من البراكين، خاصة تلك التي تنشط تحت الماء أو تحت الجليد.
بركان مجهول يغير مجرى التاريخ
ثوران طويل الأمد قد يكون غيّر مناخ الأرض فجأة
تشير الأدلة الجيولوجية إلى أن براكين أيسلندا قد شهدت نشاطًا ملحوظًا في فترة ما قبل درياس الأصغر نتيجة لذوبان الجليد وتخفيف الضغط عن القشرة الأرضية. ويُعتقد أن أحد هذه الثورات البركانية، والذي ربما استمر نحو 14 عامًا، قد أدى إلى انبعاث كميات هائلة من البلاتين والكبريت، ما غيّر التوازن المناخي في نصف الكرة الشمالي. يُعزز هذا الاحتمال اكتشافات مماثلة في عينات جليدية أظهرت ارتفاعات في معادن ثقيلة ناتجة عن ثورانات أيسلندية تاريخية.
تراجع فرضية الاصطدام الفضائي
الأدلة الزمنية والجيولوجية تدعم النظرية البركانية
رغم شهرة نظرية الاصطدام الفضائي، فإن توقيت ارتفاع البلاتين لا يتوافق مع بداية العصر الجليدي الأصغر، إذ جاء متأخرًا بنحو 45 عامًا، ما يقلل من احتمال كونه السبب الرئيسي في التبريد المناخي المفاجئ. كما أن تركيزات البلاتين المرتفعة استمرت لمدة طويلة نسبيًا، وهو ما لا يتماشى مع أثر نيزكي فوري بل يُشير إلى مصدر ممتد زمنيًا، مثل نشاط بركاني.
فهم الماضي لاستشراف المستقبل
دروس من التاريخ الجيولوجي لمواجهة تحديات المناخ القادمة
تشير هذه الدراسة إلى أن الثورات البركانية الكبيرة قد تلعب دورًا حاسمًا في تغير المناخ العالمي، تمامًا كما تفعل الاصطدامات النيزكية. وبينما يظل الاحتمال الإحصائي لوقوع مثل هذه الكوارث سنويًا ضئيلًا، إلا أن التاريخ يؤكد حتمية حدوثها في وقت ما. لذا فإن فهم كيفية تأثير مثل هذه الأحداث في الماضي يوفر أداة لا تقدر بثمن للاستعداد لمستقبل مناخي غير مؤكد.