قطوف
كبسولة الأحلام!
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
"سمية عبدالمنعم"

وقفتْ مأخوذةً، مبهُورة الأنفاس، غير مُصدِّقة أنَّها الآن وجهًا لوجهٍ أمام تلك الكبسُولة العجيبة*.. تُحيط بها الكاميرات والعيُون، يتطلَّعون إليها بنظراتٍ هي خليط مِن: الحسَد، الغيرة، التشجيع، والاستعجال.
عزمتْ على التأنِّي، أرادت أنْ تستغل تلك الفُرصة الذهبيَّة، أنْ تتذوَّق طعم التميُّز ولو لمرةٍ واحدة.. تركتْ وراءها في الخارجِ مشاكل لا حصر لعددِها، صراعات لا قِبَل لها بمواجهتِها، أحقاد لم تُقدِّم لأصحابِها سوى كلّ مُساعدة وعوْن.
الأسوأ مِن كلِّ ذلك هو الضجيج.. ارتبطتْ لديها كلّ حرب بالضجيج، كلّ معركة بالضوضاء، وكلّ فوضى بالإزعاج.. أحيانًا كانت تَشعر بأنَّها وُجدتْ خطأ وسط هؤلاء الغوغاء مِن البشرِ، مكانها الصحيح بالفيافي، أو سَطح القمر.. تذكَّرتْ ما خلَّفته بالخارج مِن تعبٍ، شقاءٍ، وعناء.. وها هي تَنعم للمرَّةِ الأُولى بالراحةِ والسَّكينة بين جنبات تلك القاعة الفاخرة، مكيَّفة الهواء.
بدأتْ تُدرك أنَّ الوقتَ يسرقُها، فقد شعرتْ بتملمُلِ البعض، قارنتْ حالها بمَن سبقُوها وقد أدُّوا مهمَّتهم سريعًا.. الجميع لديه أحلام مُسبقة، امتعضتْ عندما شبَّهتها بأحلامٍ "مُعلَّبة".. كيف فرَغ هؤلاء مِن البوحِ بأحلامِهم بتلك السرعة؟ هل يمتلكون (أكليشيهات) جاهزة؟ غمغمتْ وهي تُسدِل جفنيها في دعةٍ: هل سَهلتْ أحلامنا؟ أم رخصتْ!.
حاولتْ أنْ تتناسى القنوات الفضائيَّة التي تقف على مبعدةٍ منها، قررتْ كذلك أنْ تتلاشى مواجهة أي مِن الصحفيِّين الذين تراهم يتربَّصون بها، سيقابلونها فور انتهائها، تعرفهم جيِّدًا، بائعو كلام، تتوقَّع أسئلتهم الساذجة التقليديَّة.. يُصيبها الغثيان مِن افتقارِهم للخيالِ رغم فضولهم! لو بيدها لأقرَّتْ على طلبةِ المدارس مادتين: للأحلامِ والخيال، لا مُتعة للحياةِ دونهما.
انتوَتْ أخيرًا ألَّا تُعذِّب المنتظرين لفروغها أكثر من ذلك.. تملَّكها شعور بالزهوِ مِن جرَّاء امتلاكها القرار، أنَّ لها أهميَّةً وكيانًا ولو لدقائق زائلة.. تخلَّلتْ مَسامها تلك الموسيقى الناعمة التي تنبعث مِن حولها.. رُبَّما أرادوا بها أنْ تُلهم البائحين ليسترسلوا.. لديها موسيقاها الخاصة، تُنصت إليها وقتما تشاء، ليست موسيقى بالمعنى المفهوم، هي دقَّات تدُق داخل رأسها! فقط عليها أنْ تسترجع وعُود الكاذبين.. دقَّات.. كلام المُنافقين.. دقَّات.. أحاديث المغرورين، أوهام الخائبين، وحجج المُتنصلِّين.. دقَّات، دقَّات كطبولِ الحرب، تدقُّ أركانَ مخّها، ويُدمى مِن صخبها قلبها.
اقتربتْ أكثر مِن الكبسُولةِ السحريَّة -والتي اتَّخذتْ شكل القوقعة- بلَّلتْ شفتيها بعد تيبُّسهما مِن طولِ صمتها المطبق.. فضَّلتْ أنْ يخرج صوتها ثابتًا، جريئًا، وقويًّا.. إذا أردت أنْ تحلم فاحلم بثقةٍ.. لا تُحبِّذ أحلام الضعفاء.. غالبًا لا تتحقَّق.
* * *
أخيرًا..
أنهتْ مهمَّتها، أدَّتْ رسالتها، تركتْ إرثها، وأودعتْ سرَّها. ها هي تسير مُخدَّرة، وقد انتابتها حالة مِن الطمأنينة لم تعهدها مِن ذي قبل.. لم تعِر انتباهًا لمَن حاولوا إيقافها، يكفيها مَن أوقفوها طوال مشوارها.. مساكين.. غمرتها شفقةً تجاه الكلّ.. ارتسمتْ على ملامحِها ابتسامة رائقة.. لم يتبيَّن أحد أنَّها لم تنطق بكلمةٍ داخل الكبسولة! لن يتوقَّع أحدهم ذلك.. لم تنبس بحرفٍ.
اتَّسعتْ ابتسامتها، وأشرقتْ عيناها وهي تتساءل عن ردِّ فعل مَن سيفتح الكبسُولة بعد عِقد مِن الزمانِ ليتفاجأ بصمتِها؟ تُرى هل سيدركون حينها أنَّ كلَّ أحلامُها قد اختصرتْ في ذلك الوقت في حلمٍ واحدٍ لا غير.. مستحيل رغم بساطته، غالٍ رغم سهولته.. ذلك أنَّها تحلم فقط...
بالهدوء!.
................................................................................................
* الكبسُولة مِن تَصميم الفنَّانة الإيطاليَّة "إيفا فرابيتشيني"، انتقلتْ في ستِّ قارَّات على مَدى سنتين..
وصلتْ للقاهرةِ في: 1 يوليو 2012 م.