بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

من يملك الذهب.. يمتلك الشريعة

 

قد تبدو هذه العبارة مثل حكمة عابرة، لكنها في حقيقتها تحمل فلسفة كاملة تعكس الصراع الأبدي بين المال والقانون، بين النفوذ والعدالة. ولعل أكثر من ربط بين المال والتشريع عبر التاريخ هي الماسونية، ذلك التنظيم الغامض الذي حيكت حوله الأساطير والاتهامات بقدر ما أحاطه الغموض والسرية.

منذ العصور القديمة كان الذهب هو المعيار الأول للقوة، به تُشترى الجيوش، ويُضمن ولاء القادة، وتُقام الإمبراطوريات. وفي الفكر الماسوني لم يكن الذهب مجرد معدن نفيس، بل رمزًا للسيطرة والنور المزعوم والمعرفة المحجوبة عن العامة. 
بعض الرموز الماسونية القديمة ربطت بين الذهب وبين “مفتاح الهيكل” أي القدرة على التحكم في أسرار القوة. لذا فإن المقولة “من يملك الذهب يمتلك الشريعة” تنسجم تمامًا مع الروح الماسونية التي جعلت المال أداة لتطويع القوانين وإخضاعها لمصلحة النخبة.
وليس المقصود  بالشريعة هنا، الشرائع السماوية أو الأديان، بل القانون الوضعي والنظام الذي يحكم المجتمع. الماسونية – كما يُتهم أتباعها – لم تكن معنية يومًا بالعدل كقيمة أخلاقية بقدر ما كانت منشغلة بالنفوذ كغاية عليا. وبالتالي، يصبح القانون في فلسفتهم وسيلة مرنة يمكن تشكيلها بما يخدم من يملكون الثروة، حتى لو كان ذلك على حساب الشعوب والأمم.

قد يظن البعض أن هذه الفكرة مجرد أساطير مرتبطة بالماسونية، لكنها في الحقيقة انعكاس مباشر للواقع المعاصر. فالعالم اليوم تحكمه قوى اقتصادية عابرة للحدود: شركات كبرى، بنوك مركزية، وصناديق استثمارية تملك من المال ما يفوق موازنات دول. هذه الكيانات، مثلها مثل الماسونية قديمًا، لا تحتاج إلى جيوش لتفرض نفوذها، بل يكفيها أن تملك الذهب لتفرض إرادتها على التشريعات والقوانين عبر جماعات الضغط واللوبيات.
إن من يراقب مسار التشريعات الاقتصادية في الولايات المتحدة أو أوروبا مثلًا، سيجد أنها غالبًا تعكس مصالح الشركات العملاقة أكثر مما تعكس مصالح المواطن العادي. الضرائب تُصاغ على مقاس الأثرياء، القوانين التجارية تحمي الكيانات الكبرى، بينما يبقى الفقراء مجرد أرقام في معادلة ضخمة يتحكم فيها المال. وهنا يتجسد عمليًا جوهر المقولة (من يملك الذهب، يمتلك الشريعة).

الخطورة لا تكمن فقط في أن المال يشتري النفوذ، بل في أن يتحول القانون إلى أداة لحماية رأس المال بدلاً  من أن يكون مظلة للجميع؛ وهنا يصبح ميزان العدالة مختلاً، حيث يعلو صوت الذهب على صوت الحق. هذا هو الخطر الذي حذرت منه المجتمعات منذ قرون، لكن بأشكال مختلفة؛ فحين يسيطر المال على القانون، يفقد الناس الثقة في العدالة، وتتحول القوانين إلى دروع للأقوياء وسلاسل للضعفاء.
وسواء صدقنا أو بالغنا في ربط الماسونية بهذه العقيدة، فإن جوهر الفكرة واحد ان المال هو السلطة الحقيقية، وربما تكون الماسونية مجرد تجسيد تنظيمي لفلسفة أوسع عرفتها البشرية منذ القدم، لكنها بلا شك ساهمت في تكريس رمزية الذهب كأداة نفوذ عالمي.
إن ما يُنسب إليها من أفكار يلتقي في النهاية مع واقع نعيشه اليوم فالمال يكتب القوانين، والنفوذ يسبق العدالة.
بإيجاز ؛؛؛
“من يملك الذهب يمتلك الشريعة” ليست مجرد عبارة بل هي مرآة تعكس واقعًا عالميًا قائمًا، سواء ارتبط بالماسونية أو بالشركات العابرة أو بالبنوك المركزية. إنها دعوة للتأمل والتحذير ؛؛؛
إذا تُرك القانون أسيراً للثروة، فلن يبقى من العدالة سوى اسمها، والمجتمعات التي تسعى إلى الاستقرار لا بد أن توازن بين قوة الاقتصاد وهيبة القانون، حتى لا يتحول الذهب إلى معبود جديد تُسَن له الشرائع على مقاسه.