بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أحلام لا يُحاسب عليها القانون

طريق الوحدة

كاد قلبي ينفطر  ألما و حصرة ، وأنا أحدّق في شاشة التلفاز الموجودة في غرفة نومي، و كأنها تحولت إلى مرآة للجراح لا تعكس إلا معاناة الأهل في قطاع غزة و أحزانه المتجاوزة لكل الحدود قصف من الجو والبحر والبر، تجويع متعمد، و تعطيش و نزوح متواصل من الشمال إلى الوسط فالجنوب، ووجوه هائمة تبحث عن حياة فلا تجد إلا موتًا مؤجَّلًا.
إنها إبادة مكتملة الأركان، تسقط فيها الأرواح البريئة دون تمييز، وتُسحق الكرامة الإنسانية تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية، فيما الضمير العالمي والعربي غائب، والإنسانية مُستَبدَلَة بكفرٍ بالقيم والمبادئ.

وعلى وقع هذه المشاهد المفزعة تتزاحم الأسئلة في صدري: لماذا يصمت العرب على تلك الجرائم الوحشية المشينة المهينة؟! وإلى متى؟ ألا يدركون أن ما يحدث في غزة لن يكون إلا بداية، وأن إسرائيل، إن فرغت من حصارها لغزة ثم احتلالها، ستمضي في حلمها التوراتي المعلن: "أرضك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات"؟
أردت أن أبكي، لكن ما فائدة البكاء؟ أردت أن أكتب، لكن من يقرأ؟ أردت أن أصرخ، لكن متى أصغى العالم إلى صرخة عربي؟

وبينما كنت أترنح بين وجع القلب وصخب الصور، غلبني النوم. وإذا بي أجد نفسي في عالم آخر: طريق فسيح ممتد، يفيض جمالًا ونظافة، تصطف على جانبيه أشجار النخيل والزيتون والكرز والجميز واللوز، وقد أُسدل عليه من النقاء ما يشرح الصدر ويبهج الروح.

كنت أستقل سيارة برفقة صديقين: فهد الإعلامي، ورفيق المؤرخ. التفتُّ إليهما قائلاً: ألا ترون ما أرى؟ لقد اجتزنا الحدود المصرية و الليبية و التونسية دون حواجز ولا جوازات!
ابتسم فهد وقال: يبدو أنك لم تتابع ما جرى. لقد اتفق العرب أخيرًا على أن يكونوا كيانًا واحدًا، شرقًا وغربًا، علمانيين وإسلاميين، سنة وشيعة، أكرادًا وعربًا. وصار هناك طريق بري واحد يربطهم… طريق الوحدة الذي نسير عليه الان .

لم أتمالك نفسي من الفرح: نعم! لقد رأيت اليافطات على الطريق مكتوبًا عليها: طريق الوحدة. لكن هل حقًا انتهى زمن الخلافات والصراعات العربية العربية؟
أجاب رفيق بحماسة: وأكثر من ذلك، الحدود سقطت، التأشيرات أُلغيت، لا تفتيش ولا جمارك ولا أسلاك شائكة. صرنا أمة واحدة، والانتقال بين أوطانها كالتنقل بين بيوت العائلة.
هتفت في نشوة: رائع! إذن سنزور السعودية والإمارات ولبنان والكويت بالبطاقة فقط، دون جواز ولا أوراق.
قال فهد مؤكدًا: نعم، فقد فرض الخطر علينا أن نتوحد، إذ لا سبيل آخر سوى السقوط فرادى في يد الصهاينة.

وما هي إلا لحظات حتى صدحت من إذاعة جديدة تُدعى الوطن العربي أناشيد حماسية كدنا ننساها: الوطن الأكبر، كلنا عرب، أنا العربي، يا أهلاً بالمعارك. ثم جاء صوت المذيع ببث مباشر لحكومة الاتحاد العربي.
حيث وقف وزير الاقتصاد في حكومة الاتحاد العربي معلنًا سحب استثمارات الخليج من الغرب والولايات  المتحدة وتوجيهها إلى تنمية الأقطار العربية الفقيرة. كما أعلن وزير المالية إلغاء تعدد العملات لتصبح واحدة اسمها الوحدة. أما وزير التعليم فأعلن عن نظام موحد يحفظ الهوية، ويجعل الفصحى لغة الأمة في مدارسها وجامعاتها وكافة مؤسساتها الرسمية.

غمرتني سعادة تكاد تقتلعني من مقعدي، حتى كاد بصري يغفل عن الطريق، فنبهني رفيق: انتبه يا طارق! لكن بصري كان مشدودًا إلى سرادق عظيم على جانب الطريق. اقتربنا، فإذا به مؤتمر شعبي ضخم.
سألنا: ما هذا؟ فجاء الجواب: إنه ملتقى لجماعات إسلامية كانت متطرفة، ثم راجعت نفسها ونبذت العنف. هذه تعلن إعمار سيناء، وتلك تؤسس أكاديمية للفنون، وأخرى تدعو إلى نشر ثقافة الخضرة والجمال. تعالت الزغاريد والتصفيق و الطبل وكأن الأوطان وُلدت من جديد.

قضينا ساعات كأنها لحظات، ثم واصلنا السير. وإذاعة الوطن العربي تزف إلينا خبرًا أعظم: رئيس الحكومة العربية يعلن أن إسرائيل تجاوزت كل الخطوط الحمراء، وأن العرب – بعد اجتماعهم – أصدروا إنذارًا نهائيًا بوجوب وقف العدوان على غزة خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، وإلا فليذوقوا مرارة ما أذاقوه لشعبنا الفلسطيني، وليقفوا أمام أمة واحدة بجيش جرار يزلزل الأرض تحت أقدامهم.

صرخت من أعماقي: نعم، هذا هو الرد! هذا هو زمن الكرامة، أمجاد يا عرب أمجاد !

لكن فجأة… هزّتني يد زوجتي وهي تقول: "لقد نمت أمام التلفاز، وأزحت الغطاء برجلك. دعني أستريح، ارجوك افسح لي كي انام
فتحت عيني ببطء، فإذا الساعة قد بلغت منتصف الليل، والشاشة ما زالت تعرض المشاهد ذاتها: دماء، قصف، نزوح، دمارهدم .
تنهدت قائلًا: أطفئي التلفاز يا عزيزتي… لقد تعبت من الفرجة، أما الوحدة العربية التي رأيتها في الحلم، فخير لي أن أحياها نائمًا من أن أذوق مرارتها غائبةً في الواقع.