بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

قطوف

ميراث الذكور

بوابة الوفد الإلكترونية

من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع.. هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.

"سمية عبدالمنعم"

 

قبل أن يخط شاربه عاش مظاهر الرجولة.. يأمر وينهي، يأذن ويمنع.. كان الابن الذكر بين أخواته البنات، ولديه الصلاحيات مطلقة ليحكم ويتحكم، واليد الطولى المرسلة يتصرف فيهن كيف شاء، ولا تُرد له كلمة بينهن.. إنه الذكر الذي رُزق به أبواه بعد سبع من البنات.. "ديك البرابر" كما اعتادوا أن يطلقوا على الذكر إن أُفرد بين عددٍ كبير من أخواته البنات.. تذكر أمُّهُ معاناتها حتى جاءها "محرر العبيد"! 

هكذا وبغير مبالغة، فقد جاءها منقذًا بعد أن أحالت حماتها حياتها إلى جحيم بالتقريع، وذاقت مرارة الشماتة والذل في نظرات وكلمات نساء العائلة اللائي ما كففن يومًا عن "معايرتها بخلفة البنات".. لم يشفع لها الحب الذي يفيض به قلب الزوج، ولا افتتانه بجمالها الصارخ، وبدأ يتغير.. كان يفكر في نصائح أبيه، وعروض أمه التي لا تتوقف في زيجة ثانية قد تأتيه بالولد الذي يكون امتدادًا لأبيه وجدوده إلى آخر الدهر.. حتى جاء الفرج.. جبر الله خاطرها، واستجاب دعاءها الذي لازمها صباح مساء، وكأنما انتزعت بوجوده الزوجةُ البائسة حقها في الحياة الكريمة، لترفع رأسها في زهوٍ، وقد ظفرت أخيرًا بلقب "أم الولد"! وكأنها عدوى أصابتها لداءٍ عانت طويلاً من أعراضه! 

إنه داء التمييز بين الذكور والإناث! فبعد أن عانت طويلاً من تمييز إخوتها الذكور منذ أن كانت طفلة، ثم وهي أم للبنات محرومة من الولد الذكر! لتأتي من الفعل ما فُعل بها من قبل، وأطلت على الأبناء بوجه مختلف، فالولد لديها مُقدم على أخواته، لا تطاله يد العقاب أو التأنيب مهما فعل حتى وهو لا يزال يتعامل مع من حوله في عقل طفلٍ صغير يلهو ويعبث!!

أما الأب فقد فوَّضه منذ نعومة أظفاره في حكم أخواته اللائي يفقنه أعمارًا! صار الحاكم بأمره فيهن لا راد لحكمه، وبمرور سنوات بلغ مبلغ الشباب فتعاظمت سلطاته في غياب الأب وحتى في حضوره! لم يلبث الأب طويلاً حتى مات، وكان ميراثه عظيمًا.. لم يكن أحب إليهم من "الأطيان".. ترك الأب وحيد أبويه لورثته عشرات الأفدنة المزروعة، والميراث حقٌّ يُوزَّع على الجميع بشرع الله، لكنها العادات الموروثة التي يحرص عليها صاحبها وتشغله عن حقِّ ربه حتى وهو يودع الدنيا ويستقبل آخرته.. فما تردد على شفتي الأب وهو في الرمق الأخير إلا الوصية بالأرض.. لا تقسَّم ولا تُوزَّع! يجب أن يظل اسم العائلة يتردد فوق ثراها! 

لا يمكن أن ينعم أزواج البنات الغرباء بثمرة جهده! وقد تكلَّف هو وأبوه التعب والعرق في توسعتها وتعهدها بالاهتمام والرعاية.. وهكذا أُنفذت الوصية التي هي موروث الآباء والأجداد.. سيكون للذكر وحده حقُّ التصرف فيها، على أن يعطي من إيرادها ما يشاء لمن يشاء من أخواته البنات، ويتصرف في ذلك كما يحلو له، وستبقى الأرض تحت سلطانه وحكمه! لم تفلح ثورة الأخوات ومن ورائهن أزواجهن في تغيير الوضع، وقد ساهمت في إخمادها الأمُّ التي أقرَّت بالأمر الواقع ونسيت أنها امرأة مثلهن! 

مرت الأيام والأخوات يأتين يستجدين حقهن الضائع، بل وكان الأخ ساخطًا متضررًا، ففي عرفه كانوا يأكلون ثمرة تعبه وسهره في رعاية الأرض وخدمتها، فلا يحق لأحد كان أن ينازعه خيرها، وهي له وحده! 

تاه الحقُّ وطوت البنات أمنياتهن في قلوبهن في حياة رغدة كريمة في ظل أزواجهن الذين عوضوا عجزهن في النفقة بالمعاملة السيئة، والسباب، و"المعايرة"! وبعد سنوات أصبح الأخ في موضع والده، شارف على الموت وقد تعدد أبناؤه الذكور والإناث.. أما في حق الإناث فسرت العادة المتبعة أن لا تقسيم ولا ميراث، وأما في حق الذكور فاقتسموه ميراثًا شرعيًّا لتتفتت بينهم الأرض، وذهبت وحدتها.. وتعاقبت الأجيال، ولا تزال الأرض تُقسَّم بين الذكور، ويضيع فيها حق النساء!