بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

قطوف

صمت يبوح

بوابة الوفد الإلكترونية


كانت تجلس عند حافة البحر كل مساء، تحمل كتابًا لا تقرأه، وتنظر إلى الأفق كأنها تنتظر شيئًا لن يأتي.
لم يكن البحر بالنسبة لها مجرد امتداد من الماء، بل كان مرآة تعكس صخب قلبها وسكونه معًا.
في أحد الأيام، جاء رجل غريب وجلس على بُعد خطوات منها. لم يتحدث، لم يسأل، فقط جلس يراقب الموج كما تفعل هي. شعرت بوجوده، لكنّها تجاهلته. ومع ذلك، كان صمته مختلفًا، كأنه يشاركها حوارًا خفيًا لا يحتاج إلى كلمات.
مرّت أيام، وكل مساء كانت تراه هناك. لا حديث، ولا تعارف، فقط حضور صامت يزداد ثقلاً وجمالاً مع الوقت. بدأت تسأل نفسها: "هل يمكن لشخص غريب أن يقترب من روحك بلا كلمة واحدة؟"
في الليلة العاشرة، بدا البحر هادئًا على غير عادته. جلست كعادتها، فرأته يقترب أكثر حتى صار إلى جوارها مباشرة. قال بصوت منخفض يشبه همس الموج:
"هل تعلمين أن البحر لا يصمت إلا حين يبوح بأسراره لمن يستحق؟"
نظرت إليه بدهشة، فسكت لحظة ثم تابع:
"كنت أراك كل مساء، وأشعر أنك تنتظرين شيئًا لا اسم له. وأنا أيضًا جئت لأنتظر. ربما ننتظر المعنى ذاته."
سكتت طويلًا، ثم همست:
"أنت غريب… لكن الغريب لا يجلس كل هذا الوقت إلا لأنه يبحث عن نفسه في الآخر."
ابتسم، ولم يقل شيئًا. لكنها في تلك اللحظة أدركت أن الانتظار لم يكن عبثًا. فالأرواح أحيانًا تلتقي على شاطئٍ واحد، حتى لو كان بينهما صمت أطول من الكلام.
رحل بعد ذلك المساء، ولم تعد تراه مرة أخرى. لكن البحر ظل صامتًا كلما جلست عنده، كأنه يذكّرها بأن بعض اللقاءات لا تحتاج إلى استمرار كي تترك أثرًا خالدًا.