بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

صحوة الموت

لماذا تبقى حقائق الأشياء المروعة فى بلدنا خفية إلى أن تكشفها كارثة ما أو فضيحة وقعت مصادفة؟ لِمَ يغفل أو يتجاهل المسئولون ظواهر خاطئة واضحة كالشمس وفجأة يفيقون عند وقوع الكارثة ويتنبهون لهذه الظاهرة لعلاجها؟ لماذا ينتظرون حتى يموت البشر أو يتأذون لتأتى صحوتهم بعد الموت، صحوة لا تعيد الموتى؟، لماذا لا يطبق المسئولون فى بلدنا مبدأ الوقاية خير من العلاج، وأن الرقابة تمنع الخطأ؟، أسئلة كثيرة من هذا النوع تدور فى عقلى وكل مصرى الآن بعد مأساة غرق شباب كالورد من محافظة سوهاج فى مياه الإسكندرية وهم يجرون تدريبات إنقاذ فى دورة تدريبة تابعة لأكاديمية وهمية لمضيفى الطيران ولا البحرية، أياً كانت المسميات التى تم عمل شغل النصب تحت عنوانها على الأهالى والشباب الحالم بالسفر والعمل الجيد.
الأكاديمية غير مصرح لها ولا تحمل أى تراخيص تعليمية رسمية وبالتالى لا يمكن أن يتمتع الخريجون منها بأى ميزة تلحقهم بالعمل كمضيفى طيران ولا مضيفى بحرية ولا حتى سباحين محترفين، وبالتالى ليس للأكاديمية أى اعتراف بها خارج مصر مثلاً لمعادلتها بشهادة مماثلة، الغريب أنها قائمة منذ فترة، لها ستة أفرع فى أماكن أخرى، تتقاضى مبالغ مالية من الطلاب للالتحاق بها، تخصص زياً للطلاب يشبه الزى العسكرى أو زى طلاب الكلية البحرية، على أكتافهم شارات ورتب وعلى رأسهم الكاب، زى يمنح الخيلاء والسعادة لأى شاب أو فتاة، خيلاء يتم معه طمس الحقائق المروعة، الملتحقون بها لديهم أحلام واسعة بأن يتخرجوا قباطنة وبحارة دون أن يعلموا حجم الوهم بل الفخ الذى وقعوا فيه، الآباء الذين هرولوا لإلحاق أولادهم وبناتهم بهذه الأكاديمية لم يكلفوا أنفسهم بسؤال مسئول ما فى وزارة التعليم العالى أو حتى مسئول فى المحافظة ليتحققوا من هذه الأكاديمية، أولادهم لم يكلفوا أنفسهم دقائق فى البحث الإلكترونى حول الكليات أو الأكاديميات الحقيقية الرسمية والمعترف داخل مصر وخارجها فى هذا المجال، رغم أن كل الشباب الآن شغلهم الشاغل الجلوس خلف شاشات الكمبيوتر أو الهاتف، لو فعلوا لعلموا أنه لا توجد أكاديمية لتخريج بحارة سوى الأكاديمية العربية للنقل البحرى وهى تتبع جامعة الدول العربيه، أو الكلية البحرية المصرية وهى ( كليه عسكرية).
تشابك اللهاث وراء الحلم مع الجهل بالمعلومات وعدم تكلف عناء البحث عن الحقائق مع غياب رقابة الدولة خاصة وزارة التعليم العالى، تشابك كل هذا لعمل مصيدة لشباب حالم بمستقبل أفضل، ليدفع بعضهم حياته، والباقى سنوات من مستقبله فى دراسة الوهم، بجانب نفقات الأكاديمية التى تكلفها الآباء.
حادث غرق الطلاب كشف الستار عن الأكاديمية وسط تضارب مريب فى المعلومات حول كونها معتمدة أو غير معتمدة، تضارب حول فرار أصحاب الأكاديمية وبين القبض عليهم، بل بلغ التضارب حتى حول الرحلة المأساوية نفسها، قال الطلاب الناجون إن رحلتهم التدريبية مفترض أنها كانت فى الساحل الشمالى، واكتشفوا بعد الحادث أنها فى أبو تلات بالإسكندرية، والفارق شاسع بين المكانين، وهذه جزئية إضافية تكشف سذاجة الضحايا وأن حلمهم الكبير طمس على أعينهم كل الحقائق بما فيها حتى قراءة لافتات الطريق خلال الرحلة إذا ما كان طريق الساحل أو طريق الإسكندرية!!، فى الواقع الحادث مفجع وبه الكثير من السذاجة وخيبة الأمل والرجاء، وتتكاتف فيه مسئولية الدولة مع مسئولية الآباء وأيضا الطلاب أنفسهم، جريمة الدولة انها غفلت عن وجود مثل هذا الكيان التعليمى الوهمى والذى أؤكد أنه ليس الوحيد فى مصر، بل يوجد العديد من أسماء لأكاديميات أو حتى كليات خاصة غير معترف بها وغير مصرح لها من قبل وزارة التعليم العالى وتعمل عياناً جهاراً ويتكسب أصحابها الملايين، ولكن لم تحدث بها بعد كارثة لفضحها وكشف الستار عنها أمام الرأى العام
يفتح هذا الحادث من جديد ملف الكليات الخاصة والأكاديميات والذى بحت أصواتنا كصحفيين وإعلاميين فى الحديث عنه والتنبيه لخطورة ترك الحبل على الغارب هكذا ليدفع أولادنا الثمن من مستقبلهم والأباء عشرات الألاف من جيوبهم، وكاتبة هذه السطور واحدة ممن كتبوا عن هذا الملف كثيرا، نبهت إلى تلك الكيانات الوهمية التى يتخرج فيها الشباب بلا شهادة حقيقية تؤهلهم لفرصة عمل محترمة، بل حذرت بأن حتى بعض الجامعات الخاصة فى بلدنا وبعضها كليات قمة مصرح بها ومرخصة ولكن غير معترف بها من قبل وزارة التعليم العاليى ككلية معتمدة تؤهل دارسيها للعمل بشهاداتهم أو حتى لعضوية النقابات النوعية كنقابة الصيادلة والأطباء والهندسة، وفى هذا عجب العجاب وتناقض غير مفهوم.
طالبت وأكرر طلبى مرة أخرى بتفعيل الدور الحقيقى للهيئة القومية لضمان جودة التعليم والمنشأة منذ عام 2006 وأن يتوسع دورها ليشمل التعليم العالى، وان تراقب بجدية المدارس والكليات والأكاديمات والمعاهد، أن تفتش عن وجود المعايير القومية التى تتواكب مع المعايير القياسية الدولية للمؤسسات التعليمية وجودتها ومخرجاتها على نحو يؤدى إلى كسب ثقة المجتمع فيها، ويدعم قدراتها التنافسية الدولية بما فى ذلك منع ظهور الكيانات التعليمية الوهمية وإحالة القائمين عليها للقضاء بتهم النصب والتحايل، لأنه من أبشع أنواع النصب على أولادنا ومستقبلهم، أن يتضمن دورها التحقق من شهادات الماجستير والدكتوراه التى صار أغلبها وهماً الآن وبلا أصل ويحملها كثيرون كجواز مرور إلى المناصب والأعمال الهامة وتصدر واجهة المجتمع زوراً، أن يكون دور الهيئة أيضا تقنين أوضاع الكليات والأكاديميات الجادة وتحقيق مبدأ الرسمية والاعتراف الداخلى والخارحى لها عبر بروتوكولات تعاون مع الجامعات بالدول الأخرى.
أما ما يحدث الآن من فوضى تعليمية عليا، وتلاعب بمستقبل أولادنا، نصب على جيوب الآباء، ترك الحبل على الغارب للنصابين والمستثمرين اللاوطنيين وعصابات غسيل الاموال، فهو أمر مروع يفوق كل فساد؛ لأن ثمنه مستقبل أجيال مفترض أنهم بناة الوطن وحماته وطاقته المنتجة الخلاقة والمبدعة، فمن أراد تدمير وطن عليه هدم مؤسسات التعليم كإحدى أهم ركائز بناء الأوطان، أفيقوا يرحمكم الله.
[email protected]