خارج المقصورة
مسرح للعبث
لا تندهش إن وجدت نفسك تتجول بين دهاليز البنود والأرقام فى القوائم المالية لشركات بورصة مصر، وكأنك أمام مسرحية عبثية عنوانها: العجائب والطرائف.. شركات لا تعرف كيف تسللت إلى الشاشات، لكنها تُتداول، وتُضارب، وتُثير الدهشة.
كيانات «سقطت بالباراشوت»، قيمتها الحقيقية لا تساوى مليمًا، ورغم ذلك تُحقق قفزات صاروخية بوسائل غير مشروعة، بينما يظل المشهد محاطًا بجدار من الصمت: لا أسمع.. لا أرى.. لا أتكلم.
بالأمس القريب، شركة تمتلئ قوائمها المالية بالمخالفات، زادت رأس مالها لتطير العوائد إلى جيوب مساهمين بعينهم، وبمساعدة محترفين فى «فنون المكاسب»، وقضايا تلاعب تلاحقهم، ساهموا فى تحقيق قفزات لأسهم شركات بلا منطق.
اليوم، مشهد مكرر مع شركات أخرى قُيدت فى لمح البصر، أصولها خليط غريب من «سمك.. لبن.. تمر هندى»، وأرباحها كارثية لا تتجاوز الجنيهات، لكنها تناور وتتحايل بحثًا عن زيادة جديدة لرأسمالها.
القوائم المالية هنا ليست مجرد أرقام، بل شاشة عرض لدراما ساخرة، تكشف «المضحكات المبكيات» شركات تتجاوز تكاليف إيراداتها، وأخرى لا تكلّ عن إعادة تقييم أصولها لتقفز إلى أرقام خيالية، وثالثة تنفق الملايين على مصروفات عمومية وإدارية، بينما إيراداتها لا تكفى حتى لشراء مسكّن صداع.
مأساة حقيقية، حين تُرصَد تحفظات بالجملة على شركة، ثم تُطرح بالبورصة وكأن شيئًا لم يكن، لتهوى أسهمها أسفل سعر الطرح، تاركة خلفها جراحًا لصغار المستثمرين وأموالًا تتبخر.
السؤال المرير يفرض نفسه.. لو كانت هناك رقابة حقيقية على مثل هذه الشركات، ودراسة دقيقة لقوائمها ونشرة اكتتابها، هل كنا سنراها اليوم تفتح أبوابها للاكتتاب، أم كنا سنغلق الستار على هذا الفصل المأساوى مبكرًا؟
المشهد برمّته يحتاج إلى إعادة قراءة من جديد، لا مجرد مرور عابر على الورق. فالمسؤولية لا تقف عند حدود البورصة فى لحظة قيد الشركات، ولا عند الرقابة المالية حين تراجع نشرات الطرح.. الأمر أكبر من مجرد تطابق شكلى مع المعايير، بل يتطلب مراجعة دقيقة، تنفذ إلى الأعماق قبل أن تسمح لأى شركة أن تطأ عتبات السوق.
النجاح الحقيقى للبورصة لا يُقاس بعدد الشركات المدرجة على شاشاتها، ولا بكمية الطروحات التى تُزيّن العناوين. فالإجراءات التيسيرية للقيد والطرح لا تعنى أن يُترك الباب مفتوحًا «سداح مداح» لكل من هبّ ودب.
< ياسادة.. نحن بحاجة إلى إعادة نظر شاملة فى معايير القيد والطروحات، حتى يكون لدينا سوق يعكس الثقة لا الفوضى، ويمنح المستثمرين طمأنينة لا صداعًا، ويدعم فى النهاية الدور الأهم: أن تظل البورصة قناة حقيقية لتمويل الاقتصاد الوطنى، لا مجرد مسرح للعبث بالأموال.