بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

هوامش

رحلة عذاب تكشف تفاصيل المنظومة الصحية

المنظومة الصحية فى مصر تحتاج لإعادة صياغة، فالأمور سيئة والأوضاع متردية، صحيح أن أغلب المستشفيات تؤدى دورها فى العلاج المجانى، وقرارات العلاج على نفقة الدولة ما زالت تصدر ويستفيد منها الملايين، ولكن مطلوب رفع ميزانية وزارة الصحة وضبط عملية الإنفاق ومراقبة أداء العنصر البشرى لمنع إهدار المال العام وضمان وصول الدعم الصحى لمستحقيه.

حكاية الشاب محمود. م. ع تلخص ما وصل إليه حال قطاع الصحة والمنظومة بأكملها من تردٍ، محمود فنى ألوميتال كان يؤدى عمله فى إحدى الشقق بمدينة الشيخ زايد، وفجأة تعالت صرخاته فقد أفلت المنشار الكهربى «الصاروخ» من يده وأصابه بقطع خطير فى اليد اليسرى، هرع إليه صاحب الشقة وهو لواء سابق بالداخلية وأصابه منظر يد فنى الألوميتال بصدمة، لكنه تماسك وأحضر فوطة وكتم بها دماء محمود وأسرع بنقله فى سيارته إلى مستشفى زايد التخصصى، وفى الطريق اتصل صبى محمود بأسرته وأسرع أقاربه خلفه إلى المستشفى.

أخبرهم طبيب الاستقبال أنه يحتاج عملية فورًا وطلبت المستشفى سداد ٢٥ ألف جنيه قبل أى إجراء فوافق صاحب الشقة على الفور وأخرج مبلغًا كان بحوزته واستكمل من أقاربه وسددوا ١٥ ألف جنيه، وأجريت أشعة ولكن الطبيب أخبرهم أنه لا يمكن إجراء العملية لأنها تحتاج إمكانيات غير متاحة لديهم، وطلب منهم نقله إلى دار الفؤاد أو قصر العينى.

استرد أهل المصاب المبلغ بعد مشادات، وأسرعوا بنقله إلى قصر العينى وهو ما زال ينزف.

فى مستشفى قصر العينى كان المشهد مفزعًا، الاستقبال عبارة عن عنبر كبير مفتوح على بعضه ومقسم لغرف عمليات تفصلها ستائر، كان الله فى عون العاملين فى هذا المكان، الحقيقة المكان كخلية نحل ومكدس بالمصابين، الأطباء يبذلون كل الجهد، استقبلتهم طبيبة وطالعت الحالة وأخبرتهم أنه لا يمكن إجراء عملية الآن وعليهم الانتظار حتى يحين دورهم بعد ٤ أيام تقريبًا على أن يوقع المريض إقرارًا بتحمل النتيجة كاملة حتى لو تم بتر يده، انزعج أهل المصاب وأسرع لواء الشرطة السابق إلى الضابط الموجود بنقطة المستشفى لعله يساعد فى شىء، وعرض دفع أى مبلغ بشرط إجراء العملية فورًا ولكن دون جدوى.

أسرع اللواء وأسرته باصطحاب المصاب الذى ما زال ينزف إلى مستشفى المنيل التخصصى، وطبعًا الوضع يختلف من حيث النظافة والمعاملة، طلبوا ١٨ ألف جنيه فى الليلة، و٣٧ ألف جنيه مقابل إجراء العملية فوافقوا، لكنهم فوجئوا بالإدارى يخبرهم أن المريض سيتم حجزه اليوم وسيأتى الاستشارى غدًا للكشف عليه وتحديد ميعاد العملية، وجن جنون اللواء وأسرة المصاب فالحالة لن تنتظر كل هذا الوقت، عاد اللواء السابق إلى ضابط شرطة قصر العينى وطلب منه أن يساعده، فأخبره أن مستشفى الحسين الجامعى تجرى هذه الجراحات، واتصل بأمين شرطة فى نقطة مستشفى الحسين ولكن شاء حظ المصاب العثر أن يكون قسم التجميل مغلقًا للتجديد.

واصل الضابط اتصاله على أمل العثور على مكان به إمكانيات لإجراء الجراحة فورًا وجاء الفرج من مستشفى أحمد ماهر، فأسرعت أسرة المصاب بنقله إلى هناك، وفى مستشفى أحمد ماهر كان المشهد لا يختلف عن قصر العينى، دخل المصاب وأسرته صالة كبيرة بالطابق الأرضى أشبه بالسويقة بها شباك مكسور وآخر مغلق بالكرتون بدل الزجاج، جلس المريض على سرير وأحد أقاربه بجواره بينما وقف الباقى عند الباب يتابعون ما يحدث، بينما بائع الشاى والمشروبات والبسكويت يحمل صندوقه ويتجول بين المرضى وأقاربهم ينادى على بضاعته كأنه فى محطة سكة حديد، لم يتخيل أحد أن تكون هذه غرفة عمليات، خاصة أن درجة الحرارة مرتفعة والتكييف لا يعمل بل يخرج هواء ساخنًا، حتى فوجئوا بطبيبة فى نهاية العشرينيات تمسك بيديه وتعطيه حقنة بنج موضعى وبدأت فى إجراء العملية، وجاء طبيب آخر فى الثلاثينيات من العمر وبدأ يعاونها فى خياطة الأوتار، كانت الطبيبة تعمل وتهشّ الذباب من فوق الجرح، حتى تم الانتهاء من العملية وأنا أعتبر أن ما فعلته الطبيبة عمل بطولى فى مثل هذه الأجواء، وفى النهاية تم وضع جبيرة جبس وأذنوا للمريض بالانصراف على أن يعود بعد أيام للمتابعة.

المصاب شعر بألم وتحمل ليومين لكنه أسرع للمستشفى مرة أخرى وفكوا الجبيرة ليكتشفوا أنها وضعت بطريقة غير سليمة، وقرر الطبيب الاستشارى إجراء تعديلات على العملية وإعادة الجبيرة بطريقة سليمة.

لنا أن نتخيل أن شخصًا أصيب فى حادث طارئ، ويمكنه أن يدفع مقابل علاجه فى حدود إمكانياته ولا يجد مكانًا، وهنا نتساءل: ماذا لو لم يكن اللواء السابق بصحبتهم، وماذا لو لم يتعاون ضابط شرطة قصر العينى ويساعدهم فى العثور على مكان، وماذا إذا كان المصاب لا يملك ثمن العملية هل كان عليه أن ينتظر دوره لأيام ربما يفقد فيها يده مصدر رزقه الوحيد؟.

حكاية محمود جرس إنذار لوزير الصحة والمسئولين عن المنظومة الصحية، الحكاية تشمل الإيجابية والسلبية، فهناك من يتهاون فى عمله، وهناك من يبذل مجهودًا أكثر من المطلوب منه، وهناك إمكانات متاحة ومال عام يهدر وأيضًا هناك إهمال وفشل إدارى وعدم نظام، وأعتقد أن الجمهورية الجديدة تحتاج لمنظومة صحية تليق بها.

 

[email protected]