بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

قطوف

قصة قصيرة .. متضامن مع قطة

سمير لوبه
سمير لوبه

من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.

"سمية عبدالمنعم"

 

توفيق من سكان سطوح عمارة نزيهة عفا عليها الزمن، لا يهوى المشاكل، أوقعه حظه فى معركة لا ناقة له فيها ولا جمل.

الساعة تقارب الخامسة عصرًا، وقت الهدنة بعد يوم صيفى قائظ، حينما دوّى صراخ هستيرى من العمارة المقابلة، صراخٌ نسائيٌ اخترق صوت المراوح البالية، قفز من مكانه ظانًّا أن حريقًا قد اندلع.

ألقى عينيه إلى الشارع فإذا بالحشد مُلتفّ حول الست سميحة أرملة الأستاذ حامد بيومى والتى تسكن فى الأرضى، وتشتهر بأنها تربى قطًّا تلقبه بالباشا.

الباشا يجلس دائمًا على حافة الشباك، يرفض الأكل إلا من طبق صينى، ويشرب مياها معدنية، وفى الشارع لا يُذكر الباشا إلا مسبوقًا بالاحترام «قط الست سميحة».

فى قلب الزحام، قطة صفراء اللون، نحيلة، مشطوبة من نقابة القطط، تقف بارتباك، تلتفت يمينًا ويسارًا، وقد بدا عليها الرعب والاندهاش والندم، والست سميحة تلوح بمقشة فى يدها.

- القطة دى تحرشت بالباشا، والله العظيم شفتها بعينى وهى بتبُص له نظرات مش محترمة.

صُدم توفيق مما يسمع.

- قطة تتحرش بقط!

انضم توفيق للجمع، وقد ألهمه الفضول المهنى ككاتب نيابة: 

- حضرتك متأكدة؟ ممكن تكون النظرة بدون نية.

ردت الست سميحة بانفعال:

ـ نية إيه؟ دى نطّت على الشباك، ودخلت الشقة، شافت الباشا نايم، راحت له برجليها، تهز ديلها، اتفزع يا روحى. 

الجمهور صاح:

ـ ياااه!! 

ـ دى قلة أدب. 

ـ الباشا قَطّ محترم ومتربى، وهى تربية شوارع. 

ووسط الهياج تقف القطة فى انكسار، كأنها تقول: 

- أنا كنت جعانة بس، والله لم أقصد أجرّحه نفسيًا. 

وظهر من ملامحها أنها حتى لا تفهم قصد الست سميحة ولا نظرات الناس لها. 

هنا قرر توفيق أن يتدخل، ليس من أجل قطة الشارع فقط، ولكن من أجل العدالة.

رفع يده، وقال بكل ألاطة:

- أنا متضامن مع القطة. 

ساد الصمت، ثم همس أحدهم:

ـ باين عليه بيحب القطط. 

قال آخر:

ـ لا يا عم، توفيق الضبع كاتب نيابة. 

تقدم الضبع بخطوات الأوز: 

ـ يا حضرات، نحن أمام قطة شوارع، يعنى مش متربية زى الباشا، لكن الجوع ما بيسألش، حد منكم شاف تحرش، يمكن كانت محاولة استلطاف، حيلة لتأكل لقمة مما يأكله الباشا. 

أحدهم بتحفّظ:

ـ بس النظرة يا توفيق أفندى؟ 

استدار له: 

ـ يا سيدى، الواحد ساعات بيبص للحمة نظرة حب، محدش بيقول عليه متحرش باللحمة. 

بدأ البعض يضحك، ثم انقلب الضحك إلى تصفيق، ثم بدأ بعض الأطفال يهتفون:

ـ القطة بريئة.. القطة بريئة. 

أما الباشا، انسحب فى لحظة درامية محاطًا بكرامة مخدوشة، والست سميحة دخلت شقتها وصفدت الشباك بمرارة، خوفًا على الباشا من تحرش قطط الشوارع. 

أما الضبع، فعاد للسطوح كبطلٍ عائد من حرب، وجلس يحتسى الشاى بالنعناع. 

ومنذ ذلك اليوم، صار توفيق الضبع متضامنًا مع القطة المقهورة، وعلى كتفه يحملها إذا رآها، والباشا على حافة الشباك يتابعه من بعيد، يعض على شفته السفلى.