بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

قضية ورأى

كيف تصنع كارثة؟

فى المجتمعات النامية، لا تأتى الكوارث دائمًا من الطبيعة، بل كثيرًا ما تكون من صنع البشر أنفسهم.
الحروب الأهلية، والفساد الإدارى، وسوء التخطيط العمرانى، والإهمال الصحى، والحرائق.. وما أدراك ما الحرائق.
حتى التجاوزات الفردية لبعض رجال الشرطة، قد تهدم جهودًا مضنية لآلاف الضباط الشرفاء.
وهكذا يبدو أننا نعيش فى بلد تتكرر فيه الكوارث البشرية، رغم أن الله حبانا بوطن بعيد عن الكوارث الطبيعية.
إذا أخذنا الحرائق نموذجًا، فقبل شهر، كان حريق سنترال رمسيس، مع ما صاحبه من انقطاع خدمات الاتصالات والإنترنت والدفع الإلكترونى عن قطاعات حيوية فى الدولة.
والأسبوع الحالى، التهمت النيران محال و«فروشات» تحيط بمحطة مترو شبرا الخيمة، وأوقفت حركة مترو الأنفاق.
كان واردًا أن تمسك النار بقطار عابر.. وكان واردًا أن يتكرر حادث قطار الصعيد لولا لطف الله.
والعام الماضى دمر حريق هائل محال و«فروشات» فى الرويعى بالعتبة، وهو بالطبع ليس الأول ولن يكون الأخير.
ثمة عشرات الطروحات تجدها فى كل حريق، ما بين مؤامرة على البلد، وصراع على المبنى أو المنطقة، و«ماس كهربائي» و«عقب سيجارة».
.. والنتيجة هى «لا شيء».
تقرير سيصدر، وتوصيات مكانها «الأدراج»، تنتظر وقوع كارثة أخرى.
فهذه الكوارث ليست حوادث عرضية أو نتاج خطأ فردى، بل هى غالبًا حصيلة تراكميات تاريخية وسياسية واقتصادية تجعل المجتمع ـ للأسف ـ عرضة لانفجارات متكررة من الأزمات.
منذ سنوات والإشغالات تحاصر بعنف محطات المترو، فى شبرا والعتبة والمرج.. فداخل المحطات انضابط وخارجها فوضى بلا نهاية.. وكأن القانون ينتهى مع نهاية بوابة المحطة.
وإذا كان حريق سنترال رمسيس يحتاج إلى خبراء اتصالات وأدلة جنائية لبيان أسبابه، فإن حريق محيط محطة مترو شبرا الخيمة، لا يحتاج سوى لطفل صغير سيؤكد أن الإشغالات مهياة دائمًا لإشعال الحرائق.
وهكذا الحوادث لن تتوقف ما دامت أسبابها موجودة.
آخر الحرائق، هو حريق نفسى، إذ وسط كل جهود وزارة الداخلية الأخيرة لفرض القانون، يأتى تصرف فردى من ضابط اعتدى على «سايس» ليصرف الأنظار عن عشرات القضايا التى نجحت الوزارة فى ضبطها لوقائع تجاوز مصورة فى الشوارع.
طوال الأسابيع الماضية، كان يكفى بث فيديو لأعمال بلطجة أو سب وقذف فى الطريق العام، ليتحرك رجال الشرطة فورًا لضبط الجانى وإحضاره ولو من «من تحت الأرض»، ما أوجد ارتياحًا لدى المواطنين.
لكن نحن كالعادة، ننسى النجاحات سريعًا، ونتوقف طويلًا أمام الخطأ.
لا أقلل من جريمة التعدى على مواطن، خصوصًا أن كم العنف فيها خطير، واستسلام «السايس» مؤلم.. فالواقعة تستدعى التحقيق الجاد، والاعتراف بالخطأ ومعالجته قد يمنع تحوله إلى كارثة تمتد إلى مؤسسات الدولة كلها.
فالتاريخ يعلّمنا أن الأخطاء البشرية الصغيرة ليست دائمًا صغيرة فى نتائجها. فهى قد تكون الشرارة التى تفجر تراكمات من الغضب.
والوعى بهذه الحقيقة هو خط الدفاع الأول ضد انزلاق المجتمعات إلى الأزمات، فالتفاصيل الصغيرة قد تكون أهم مما نظن.
كما أن عظيم النار من مستصغر الشرر.