بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

قطوف

تملي في قلبي

بوابة الوفد الإلكترونية

من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.

"سمية عبدالمنعم"

لا أفتح عيني فور الاستيقاظ. كل الأشياء ستسأل عنكِ، وأنا تعبت من الحجج. أمد يدي نحو الوسادة، فأجدها أبرد من العادة. هذا خبر سيّئ، أول خيانة في اليوم. حتى دفء الغياب لم يعد وفيًّا.

تملي في قلبي يا حبيبي وأنا عايش غريب عنك، تملي ولا أنت داري بي وأنا بشكي إليك منك.

يسري صوت فوزي من الراديو، تفضله أمي في الصباح، أغني معه بينما أضع ماء القهوة على النار، لا لأشربها، بل لأثبت أن شيئًا ما حولي مازال يتحرك غير أفكاري. أضيف السكر، تقولين دائما إن القهوة الحلوة جريمة في حق وقار البن. اليوم أرتكب الجريمة وحدي.
أقول في نفسي: تعالي، حاكِميني.

يا ساكن في الهوى قلبي.. وساكن في الديار جاري.
جمالك كل يوم جنبي...آسرني وأنت مش داري

صباح الخير حبيبي. رسالة من "القيد الناعم" أقرأها، وأتذكر كيف كانت تحياتكِ أنتِ طويلة، متشابكة، تشبه حكايات صغيرة تُهدى قبل الإفطار. لا أرد على رسالتها فورًا، أعرف جيدا أن الردود المتأخرة تشبه باقات الورد التي تصل بعد الجنازة، لا أحد يحتفظ بها.

معاك بعنيا وكفاية... تنور لي دنيايا
معاك بعنيا وكفاية... تنور لي دنيايا

أرتدي ملابسي وأخرج إلى العمل. الطريق مزدحم، الزحام يمد يده إلى رأسي ويقلب أفكاري كما يقلب الباعة بضائعهم. أمرّ بالمقهى الذي كنتِ تفضلينه، يأتيني من مذياعه:
بقلبي لك أنا كلي وشاغلك عني إيه قول لي؟
أشيح بوجهي، أخشى أن تلتقطني الطاولات وتفضحني.
يبتعد الصوت ياااا اااا حبيبي

في المكتب، الوجوه معتادة، النكات نفسها، الرائحة نفسها. الجديد أن التهاني لا تنتهي: مبروك!، ربنا يتمم على خير! أبتسم نصف ابتسامة  وأكمل النظر إلى شاشة الكمبيوتر، كأنني أبحث بين الملفات عن عينيك. 
يطلبني المدير ليهنئني هو الآخر، يقول إنني أستحق السعادة. كيف أشرح له أنني كنت أملكها بالفعل، وتخليت عنها، استسلمت لإرادتهم… إرادة مريضة اسمها العناد.

بعد انتهاء العمل، أتناول الغداء معها. هي لطيفة، تختار الكلمات بعناية، روحها طيبة وأهلي يحبونها. 
وأنا أجلس أمامها، ألمح وراء كتفها نافذة، أتخيل وجهك يطل منها، يراقبني. 
أسأل: هل تعرفين أنني فشلت في المضي قدمًا؟ هل تتخيلين أنني سعيد؟ هل ما زلتِ تفسرين خضوعي لأحكام القدر بالخيانة أو الخذلان، أم أنكِ اليوم أكثر رحمة بي مما كنتِ وأنا معك؟

تضحك هي، ضحكة خجول، تهوي على الطاولة مثل قطعة ثلج في فنجان شاي دافئ. أضحك بدوري، ترتد الضحكة داخلي وتصطدم بأضلعي. أتذكر كيف كانت ضحكتك أنتِ، الضحكة التي طالما أربكت قلبي وأعادت في الوقت نفسه ترتيب فوضاه.

تتحدث عن برامج المساء والمسلسلات الجديدة. أحاول أن أذكر كتابًا قرأته البارحة، فتقول إنها لا تحب القراءة. 
أصمت. أشرد، أفكر كيف كنتِ أنتِ تلتهمين الصفحات، وكيف كان حوارنا يمتد ساعات حول جملة في رواية أو فكرة في قصيدة. أحاول أن أغيّر الموضوع إلى الموسيقى، تقول إنها لا تحب الأغاني الحزينة. أتذكركِ وأنتِ تضعين السماعات وتغلقين عينيك عند سماع أغنية تملي في قلبي،
أتذكر كيف كانت الأغاني تصير أجمل حين أراكِ تنصتين لها.

بعد الأكل، نمر بمعرض لوحات في الطريق. نتوقف قليلًا أمام لوحة لامرأة تحمل وردًا، تقول: جميلة ألوانها. لو أنك هنا كنتِ ستتحدثين عن الظلال، عن التعب في عيني المرأة، عن رائحة الورد المرسوم، عن الحكاية التي تخبئها اللوحة. أنتِ كنتِ ترين أكثر مما يُرسم.
أطلب لها أوبر، تغادر، أتصعد.
أغني
لا فيه ماضي أقولك كان ولا فاكره ولا نسيته.

أتجه للقاء صديق لي، يتصل أهلي. أصواتهم مليئة بالرضا: دي مناسبة ليك، أخيرًا لقيت البنت اللي تستاهلك. أقول: إن شاء الله، بينما أبتلع جملة أخرى: لكنها ليست أنتِ.

أغني
بقلبي لك أنا كلي وشاغلك عني إيه قول لي

أعود إلى الشقة. لا أشعل الضوء، فالعتمة تعرفني أكثر من المرآة. أفتح درج مكتبي الأول، أخرج هاتفي المحمول القديم، أفتح صورتنا: أنتِ تمسكين وردتك المفضلة، أكبر بأصابعي وجهك، أتأمل ابتسامتك التي كانت تكفي لتدفئ عمرا بأكمله.  كنت تقولين إن الورد أذكى من أن يخدعني، وأوفى من أن يخذلك.

أغني
وأنا بشكي إليك منك. يااااا حبيبي
ياريت أخطر في أحلامك واشاغلك واشغلك مرة
ياريت تلمحني أيامك وأعيش فيها ولو نظرة

وأنا مستلقٍ، أفكر: كم تفصيلة كنت أشارككِ إياها، وكم تفصيلة الآن لا تجد من يفهمها.
أغلق عيني، أسمع في الخارج أصواتًا عادية: ضحكة، جَرّ سيارة، شجار جاري وزوجته.
الحياة تمضي، وأنا عالق في لحظة واحدة، لحظة لم تعد موجودة إلا في رأسي. 
أسمع في ذاكرتي صوتك يقول: تصبح على فكرة، أبتسم، أنظر بجواري، أجدها نائمة
 أعرف أن اليوم انتهى، لكنه لم يمضِ فعلًا.

يا ريت أخطر على قلبك...ولو تكرهني وأحبك