بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

قطوف

ورق خائن

بوابة الوفد الإلكترونية

من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.

"سمية عبدالمنعم"

أنا لا أكتب الأحياء عادةً؛
لأنّهم يتغيّرون، يتبدّلون كالفصول، كأغنيةٍ تفقد لحنها حين تُعاد كثيرًا، لأنّ الحيّ يتحرك، يغيّر صوته، يتعلّم نسياني، يرتدي وجوهًا جديدة كلّما صادف مرآة لا تشبهني. 
الأحياء؛
لا يمكن الإمساك بهم بالكلمات..
يشبهون الماء، ما إن تكتبه حتى يتبخر المعنى بين أصابعك، هم خطرٌ على الورق، ينبتون فوقه كزهورٍ لا جذور لها ثم يذبلون فجأة دون أن يتركوا وصيّةً للحبر. 
لا يليقون بالقصائد، يعودون أحيانًا ليكذّبوا كل حرفٍ كتبته عنهم، ويقولون:
"لم أكن كذلك"
وكأن الذاكرة كذبة، وكأن الشعور خيالٌ شاردٌ كتب نفسه دون إذن. 
أخافهم؛ لأنهم حين أكتبهم، أمنحهم شكلًا داخليًا مني،
وحين يتغيّرون، ينكسر شئ في المرآة لا يُصلح. 
أنا أكتبُ الغائبين؛
أولئك الذين يسكنون الذاكرة دون أن يوقظوها، الذين لا يُخطئون، لأنهم لم يعودوا يفعلون شيئًا منذ اللحظة التي رحلوا فيها، الذين أُسدل عليهم الزمن عند لحظة بعينها، كأنهم صورةٌ عتيقة لا تتكلّم، لكنها تسرّب دفئها ببطئٍ في قلبك. 
أكتب من فقدتُهم ولم يفقدوني، من سكنوا في جهة القلب التي لا يدخلها التوقيت، من لا يقولون "لقد تغيّرت"،
يبقون هناك،
بذات النظرة،
بذات النبرة،
بذات الوجع الأول. 
أنا لا أكتب الأحياء عادة؛
لأنني لا أثق بالحكايات التي لا تعرف النهاية، ولا أؤمن بالقلوب التي مازالت تتردّد في نبضها، فالميّت لا يخون الحبر، ولا يعود ليقول :
"هذا ليس أنا" 
لكنّكَ كنت حيًّا، وكنت أكتبكَ.
حيٌّ بما يكفي لتربكني،
وصامتٌ بما يكفي لتشبه الغائبين،
وهذا ما جعلني أكتبكَ، بكل ما فيّ من حياء، وبكل ما فيّ من موتٍ مؤجّل، وأنا - لوهلة - نسيت كلّ قواعدي.