قطوف
"مايا"
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
"سمية عبدالمنعم"

بحث للمرة الأخيرة عن حبة الخرز المتبقية ليكمل ذاك العقد، عساه يعود لصاحبته يومًا، حتى ولو لم يكن في هذه الدار، أو في تلك المدينة.
ترى هل يمكن ليوم في حياتنا، أن يغدو مشهدًا لنهاية سعيدة لقصة لقاء غامض، مازال يبعث وهج دفئه في الأعماق، رغم مضي سنين..
"مايا" هذه كلمة السر كما حفظها قلبه؛ ليستحضرها بثوب مزركش وجده يليق بها، وعقد أزرق يحيط بعنقها الطويل، وما بقي منه يختبيء بين خصلاتها الغجرية المتمردة.
عيناها لم تذق اختلافًا منذ ذاك اليوم العاصف، رغم ميلاد الربيع، حين أغرقت زخات المطر معطفها، وتوغلت في شعرها الأجعد، تهديء ثورته، غير أنها لم تجرؤ على الاقتراب من تلك العينين.
كيف أوقفت آلافًا مؤلفة من القطرات أمامها؟ وماذا أرسلت له مع الرياح؛ لتسكن عقله حتى اليوم كما استطاع أن يصفها، وكما شاء قلبه أن يصورها؟
حين غادرت، تاركة بضع دقائق كافية؛ لتأتي لزيارته دون موعد، ولتحضره دون نداء، وعقد يستكين بركن الرصيف، في انتظاره؛ ليحمله بأصابع ترتعش في تردد أو حماس ذي معنى آخر، لم يألفه قبلًا.
هل أذنب باختطافه العقد، في انتظار صاحبته، ربيعًا وراء آخر، حتى انفرط هاربًا من أنامله ذات شتاء؟
هل خرزة واحدة تختفي دون عودة، تكفي؛ لتصبح طيفًا لذكرى لقاء صامت، أم أنها غضبت، أم أنها هربت؟
كان الوقت يكفي بالكاد؛ ليلحق وعائلته بالقطار الأخير في وضح النهار. وهناك بات بإمكان الزمان أن يتوقف؛ فيخطو نحوها بثبات يتباطأ بكثير، عن قلبه الراكض، وهو يرفع الخرزات المتراصة في نظام حول خيط تركت إحداهما به فراغًا، ليس وجوده بالصاخب، ولا بالغائب.
-يا.. لقد وصلنا
آااه ألم تبق ثانية واحدة فقط، ليواسيها في غياب حبة الخرز تلك؟ ليسألها أيهما استحق عودتها؟ ليعرف اسمها؟....أم يكفيه أن تبقى "مايا" فقط؟
في مكان آخر!..كل شيء يعود؟!...رصيف يتسع لاستقبال المطر الربيعي، رياح باردة تباغته بقشعريرة لم يحسب لها، لا مدفأ سوى جيبي سرواله؛ ليدس كفيه يستدران بعض الحرارة؛ لأنحاء جسده......آه حبة الخرز!