بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

«الواقعية».. حين تمسك الفلسفة بمرآة الحياة (1 – 2)

إنَّ مصطلح «الواقعية» (Realism) من المصطلحات المطّاطة والفضفاضة، إذ تتباين مفاهيمه باختلاف ميادين النشاط الإنساني من جهة، وباختلاف اتجاهات النقّاد والأدباء ومنظّري الأدب من جهة أخرى. ففي الفلسفة، نجد الاسميّين الظاهراتيّين الذين ينكرون وجود المعاني والمفاهيم المجرّدة الكليّة، ويعتبرون هذا المصطلح مجرّد اسم كسائر الأسماء. وعلى النقيض، يرى المثاليّون أنّه يدلّ على واقعية الأفكار المجرّدة ووجودها الفعلي. وفي جملة واحدة، يمكن القول إنَّ الواقعية هي ذاك المذهب الذي يُمسك بمرآة الحياة.

وفي السياسة، يعني مصطلح «الواقعية» القبول بالأمر الواقع والإقرار بالأوضاع السائدة؛ فهي هنا مرادفة للسلبية والاستسلام، وقد يراها بعضهم مرادفةً للرؤية الموضوعية الإيجابية. أمّا في الأدب، فيُقصد به أحيانًا رصد الواقع وتسجيل تفاصيله وتصويره تصويرًا فوتوغرافيًا حرفيًا، مع إقصاء عناصر الخيال الجامح ومبالغاته. ويُقصد به أحيانًا أخرى تلك الموضوعية الصارمة التي تحول دون تسرب أفكار الكاتب وعواطفه ومزاجه الشخصي إلى أعماله الأدبية.

ويمكن القول إن بذور المذهب الواقعي ضاربة في القِدم، تتجلى في طبائع البشر الذين ينقسمون بطبعهم إلى مثاليين وواقعيين. فالمثاليون لا يميلون إلى الانغماس في الواقع، بل يفضلون التحليق بخيالهم في عوالم أسطورية، أو الانسياق وراء أمانٍ وهمية قد تتحول – في نظرهم – إلى حقائق ملموسة. وعلى حدّ تعبير الناقد الأدبي الدكتور محمد مندور: "فإن رغبات النفس قد تبلغ أحيانًا من القوة بحيث تختلط بالواقع، فلا يستطيع صاحبها أن يميز بينه وبين الحياة".

أما الواقعيون فيتميزون بالحذر، وبشدة ارتباطهم بالحياة المحيطة بهم، ورؤيتها كما هي في حقيقتها، خالية من أي تزييف أو تلوين. وهذا يضيف بُعدًا آخر لمفهوم «الواقعية» إلى جانب المفاهيم التي أشرنا إليها. وإذا كانت بذور الواقعية حاضرة في طبائع البشر منذ القدم، فإن من الطبيعي أن تنعكس في الأدب والفلسفة، بوصفهما مرآةً لطبائع الناس ونفسياتهم، ومعبّرًا صادقًا عنها.

ولقد برزت بذور «الواقعية» لدى عدد من أدباء الفلاسفة الإغريق، وفي مقدمتهم "هوميروس"، الذي تتجلى في ملحمتيه "الإلياذة" و"الأوديسة" سمات واقعية واضحة، أبرزها الأسلوب الذي يجسّد الأشياء بكل أبعادها وجوانبها وتفاصيلها، بحيث تبدو عناصر المشهد محددة جلية، لا يكتنفها غموض ولا لبس. فالأشياء عند "هوميروس" جميعها معروضة في ضوء أسلوب مباشر، يكشف أبعادها منذ اللحظة الأولى.

ومن سمات الواقعية عنده أيضًا عدم التورع عن مزج الأحداث السامية التي تعلو على مألوف الحياة اليومية، بتلك التي يمكن عدّها عادية أو حتى مبتذلة إلى حد بعيد. فـ"هوميروس" يعرض المآسي التي يواجهها "أوديسيوس" أو "باتروكل" أو "آخيل" أو "أجاممنون"، جنبًا إلى جنب مع الوقائع البسيطة المألوفة التي تدور في أروقة البيوت.

ومن أدباء الإغريق الذين تتجلى في أشعارهم الدرامية عناصر الواقعية بوضوح أكبر مما نجد عند "هوميروس"، يبرز اسم "يوربيديس"، الذي خطا بالمأساة خطوات واسعة نحو عالم الواقع. وقد تجلت واقعيته في استخدامه لغة سهلة قريبة من مستوى الكلام اليومي، وفي تناوله قضايا إنسانية خالصة، مبتعدًا عن القضايا الإلهية وعلاقة البشر بالقدر.

كما كان الشأن عند "سوفوكليس" و"إسخيلوس". جعل "يوربيديس" عاطفة الحب محورًا لعدد من مسرحياته، وبرع في تحليل النفس الإنسانية، ولا سيما شخصية المرأة، فكان بذلك أقرب إلى قلوب الأوروبيين من غيره من شعراء الإغريق. غير أن هذا الاتجاه أثار عليه حفيظة "أريستوفان"، الذي شنّ عليه حملة شعواء في مسرحيته "الضفادع"، واعتبره خارجًا على أصول الشعر وتقاليده... وللحديث بقية في الأسبوع المقبل إن قدّر الله لنا البقاء واللقاء.

[email protected]