بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

رسائل حاسمة: لا للتهجير ولا للمزايدات

فى توقيت بالغ الدقة، جاءت تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسي الأخيرة حول القضية الفلسطينية، لتضع حداً لسيل من الشائعات والمزايدات السياسية التي حاولت أن تصور الموقف المصري بشكل مغاير للواقع. التصريحات، التي اتسمت بالصراحة والوضوح، لم تكن فقط رداً على الحملات المغرضة التي استهدفت تشويه صورة الدولة المصرية، بل كانت بمنزلة بيان سياسي وإنساني شامل، حمل فى طياته مجموعة من الرسائل الموجهة لعدة أطراف، على رأسها الداخل الفلسطيني، المجتمع الدولي، والقوى الإقليمية التي تظن أنها قادرة على العبث بأمن مصر القومي أو توظيف معاناة الأبرياء فى غزة كورقة ضغط سياسية.

الرسالة الأهم التي خرجت بها التصريحات كانت تأكيداً على أن مصر لم ولن تغلق معبر رفح، وأن أي تعطل فى عبور المساعدات الإنسانية سببه الاحتلال الإسرائيلي، سواء من خلال قصف محيط المعبر، أو عرقلته للمرور الآمن. هذا التصريح دحض بشكل مباشر كل المحاولات التي أرادت تحميل مصر مسئولية ما يجري فى القطاع، وأعاد توجيه البوصلة نحو المسئول الحقيقي، وهو الاحتلال الذي يرتكب جرائم ممنهجة ضد المدنيين العزل فى غزة.

والحقيقة أن دلالة التوقيت هنا لا تقل أهمية عن مضمون الرسائل، فقد جاءت التصريحات فى وقت تصاعدت فيه وتيرة الاتهامات لمصر من قبل بعض الجهات التي تسعى لخلق بلبلة إعلامية، سواء فى الداخل المصري أو فى الرأي العام العربي. فالمشهد الإعلامي بات مسرحاً لحملات ممولة، تستهدف ضرب ثقة المواطن المصري فى دولته، والتشكيك فى دورها التاريخي تجاه القضية الفلسطينية. ولذلك فإن خروج الرئيس السيسي بهذا القدر من الوضوح والهدوء، وفى سياق رسمي، منح الدولة المصرية موقع القوة الأخلاقية والسياسية مجدداً، ليس فقط أمام شعبها، بل أمام العالم الذي بدأ يدرك حجم التضليل الذي يمارس ضد القاهرة.

كما حملت التصريحات بعداً إنسانياً عميقاً، حين أكد الرئيس أن مصر لا يمكن أن تتورط فى أي إجراء يؤدي إلى تهجير الفلسطينيين، أو الضغط عليهم لترك أرضهم. هذا البعد يتجاوز حدود السياسة إلى حدود المبادئ، فالرئيس السيسي يدرك جيداً أن القبول بأي شكل من أشكال التهجير يعني إجهاض القضية الفلسطينية وتصفية أحد أهم أركانها، وهو الحق فى الأرض. ومن هنا فإن التأكيد المصري المتجدد على رفض التوطين أو التهجير، هو دفاع عن هوية الفلسطينيين وحقهم فى البقاء، قبل أن يكون دفاعاً عن الأمن القومي المصري.

التصريحات أيضاً حمَّلت المجتمع الدولي مسئولية مباشرة عما يجري فى غزة، خصوصاً فى ظل التخاذل المستمر من القوى الكبرى والمنظمات الدولية. فحين يتحدث الرئيس السيسي عن ضرورة وقف إطلاق النار فوراً، وتسهيل دخول المساعدات، وعدم استخدام المعاناة الإنسانية كأداة ضغط سياسي، فإنه لا يخاطب فقط الرأي العام، بل يخاطب ضمائر من بيدهم التأثير والقرار، ويضعهم أمام فشلهم الأخلاقي والسياسي فى التعامل مع واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية فى العصر الحديث.

التأثير المتوقع لهذه التصريحات يتجاوز اللحظة الآنية، لأنها تعيد تموضع مصر كلاعب محوري فى الإقليم، لا يقبل أن يستخدم أو يتهم زوراً، ولا يسمح بأن يزايد أحد على مواقفه. فالدولة المصرية التي دفعت ثمناً باهظاً فى معاركها من أجل الأمن والاستقرار، لا تقبل أن يتم التشكيك فى ثوابتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، التى كانت وستظل فى صلب عقيدتها السياسية. ولعل إشادة فصائل فلسطينية ومؤسسات عربية بتلك التصريحات، يكشف أن الرسائل وصلت إلى أهدافها، وأن مصر استعادت زمام المبادرة فى السردية الإقليمية والدولية حول غزة.

ربما أهم ما يستشف من هذه التصريحات، هو أن مصر ليست فقط وسيطاً فى النزاعات، بل طرفًا فاعلًا يحدد قواعد اللعبة من منطلق قوة ناعمة وعلاقات ممتدة، ومن موقع جغرافي يجعل أمنها مرتبطاً عضوياً بما يجرى فى محيطها. ولذلك فإن هذه التصريحات لا يمكن التعامل معها على أنها رد فعل مؤقت، بل هي تأكيد على استراتيجية ثابتة، ترى أن الحفاظ على القضية الفلسطينية لا يكون بالشعارات، بل بالمواقف العملية، والدفاع عن حق الشعوب فى الحياة والكرامة، دون انتظار مقابل.

وفى النهاية.. الرئيس السيسي لم يكتفِ بنفي الشائعات، بل حرص على توجيه رسائل حاسمة، تعيد رسم حدود الدور المصري، وتذكر الجميع بأن القاهرة لا تتحرك إلا وفق حسابات دقيقة، تراعي الثوابت والمبادئ، وتحفظ كرامة الشعوب، وتحمي أمنها الوطني فى آن واحد. ومثل هذه التصريحات، حين تصدر فى توقيت حساس وبلغة واضحة، فإنها لا تمر مرور الكرام، بل تسهم فى تعديل كفة الرواية الإقليمية، وتفضح كل محاولات التشويه الرخيصة التي تستهدف النيل من دور مصر ومكانتها.