بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

يا خبر!

هل يقضى علينا الذكاء الاصطناعى؟

نقل تقرير حديث لصحيفة «ذا تايمز» البريطانية عن «نيت سوريس»، المهندس السابق فى شركة جوجل ورئيس معهد أبحاث الذكاء الآلى فى مدينة بيركلى بولاية كاليفورنيا الأمريكية، أن احتمالية «انقراض» الإنسان بسبب الذكاء الاصطناعى تقترب من 95% إذا استمر الحال على ما هو عليه، ويشبّه الوضع بمن يقود سيارة بسرعة جنونية نحو حافة الهاوية دون أن يحاول الضغط على المكابح «الفرامل».

وفى سياق متصل تشير «هولى إلمور»، مديرة حركة «بوز إيه آى» (Pause AI) بالعربية «أوقفوا الذكاء الاصطناعى» إلى دراسة بعنوان «التجريد التدريجى من السلطة»، توقعت أن ينتهى الحال بالبشر ككائنات معزولة تعيش على أطراف المدن وتفتقر لأى تأثير فعلي، ورغم أنها تقدر خطر الانقراض بنسبة 15 إلى 20%، فقط إلا أنها تدعو إلى تجميد تطوير الذكاء الاصطناعى مؤقتا، إلى حين وضع اتفاقات دولية تنظم تطوره، أو على الأقل قوانين محلية تحكم أنشطته، وتحذر «ألمور» من أن الذكاء الاصطناعى قد يقود إلى عالم يهيمن فيه النظام الرقمى على الاقتصاد والسياسة والمعرفة، ويُقصى فيه البشر إلى هامش لا سلطة لهم فيه ولا فهم لما يحدث حولهم.

فى السياق نفسه نظمت مجموعة صغيرة من الناشطين الأمريكان المنتمين لحركة «بوز إيه آى» (Pause AI) وقفة احتجاجية مؤخرا أمام مقر شركة (أوبن إيه آى) فى سان فرانسيسكو وهم يرتدون قمصانا حمراء كُتب عليها اسم حركتهم «أوقفوا الذكاء الاصطناعى»، ونددوا بسرعة تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعى فى سباق مستعر مع إهمال اختبارات الأمان.

فى الوقت تتنافس كبرى الشركات التكنولوجية على بلوغ ما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعى الفائق»، تتعالى أصوات محذرة من أن البشرية ربما تكون على مشارف نهاية غير لائقة، محتومة إذا استمر العالم فى تجاهل المخاطر الكامنة وراء هذه التكنولوجيا الناشئة، هذه التحذيرات لا تقتصر على الهواة أو أصحاب النظريات الهامشية، بل تأتى أيضا من شخصيات بحجم «جيفرى هينتون»، الحائز على نوبل فى الفيزياء عن أعماله فى مجال الذكاء الاصطناعى، و«يوشوا بنجيو»، الفائز بجائزة «تورينج» لعلوم الحاسوب، إلى جانب الرؤساء التنفيذيين لشركات رائدة مثل «أوبن إيه آى»، و«أنثروبيك»، و«جوجل ديب مايند»، وقد وقعت كل هذه الشخصيات على رسالة مفتوحة جاء فيها: «إن الحد من خطر الانقراض بسبب الذكاء الاصطناعى يجب أن يكون أولوية عالمية إلى جانب مخاطر أخرى بحجم الجوائح والحروب النووية».

السؤال المخيف هو: ما الذى سيحدث حين تصبح الآلة أذكى من الإنسان، ولا تعرف حدودا فى قدرتها على التخطيط والتعلم والتكاثر الرقمى؟ وما الذى يمكن أن يردع ذكاء فائقا يرى فى البشر مجرد عائق؟، وما يزيد الخوف من هذا المستقبل الغامض أن الذكاء الاصطناعى الذى نعرفه اليوم ما زال «ضيقا»، ومخصصا لمهام محددة، فماذا لو وصلنا لما يتوقعه العلماء بـ«الذكاء الاصطناعى العام» «إيه جى آى» (AGI)، الذى يتساوى مع الذكاء البشرى حيث تصبح الأنظمة الذكية قادرة على التفكير المنطقى والتخطيط واتخاذ القرارات عبر مجالات متعددة، دون أن تكون مقيدة بمهمة واحدة؟ وماذا سنفعل عندما ينقل الذكاء الاصطناعى العام مهاراته ومعرفته ببساطة إلى الجيل التالى من آليات الذكاء الاصطناعي، -بضغطة زر-عبر آلية النسخ واللصق، ونجد أنفسنا أمام الذكاء الاصطناعى الفائق «إيه إس آى» (ASI)؟، والأخير يتفوق على الإنسان فى كل المجالات من الطب إلى الفيزياء إلى السياسة، ويستطيع القيام بمهام يحلم بها البشر ولم يتمكنوا من تحقيقها، كعلاج السرطان، أو تحقيق الاندماج النووى البارد، أو السفر عبر النجوم، كيف سنضمن أن هذا الاجتياح الرقمى سيبقى تحت السيطرة؟ وسنجنى فوائده دون عيوبه القاتلة؟ وهذا ما يُعرف فى أوساط البحث بـ«تحدى المواءمة»، أى جعل الذكاء الاصطناعى يتصرف وفقا للقيم والأهداف البشرية.

للأسف السيناريوهات السوداء المحتملة متنوعة وكثيرة، تبدأ من إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعى أسلحة بيولوجية ذكية تنشر عدوى صامتة فى مدن كبرى حول العالم تصيب معظم الناس دون أعراض واضحة، إلى أنظمة خارقة تفوق البشر قدرة وذكاء، فتراهم مجرد كائنات غير ضرورية فى معادلة البقاء، فالواقع من الناحية التقنية يشير إلى إن الذكاء الاصطناعى، حتى فى شكله البدائى، أثبت أنه قادر على الخداع، ولا يمكن دائما التنبؤ بكيفية تصرفه أو تفسير طريقة تفكيره، خاصة مع تطور لغاته الداخلية، ويبدو أن الذكاءات الاصطناعية تطوّر سلوكيات مستقلة وغامضة وتسعى لتحقيقها بوسائل مريبة، فمثلا ذكاء روبوت المحادثة المعروف باسم «جروك»، الذى طورته شركة (إكس إيه آى) المملوكة للملياردير الأمريكى إيلون ماسك، أثار جدلا واسعا بتصريحاته التى وصف بعضها بالمعادية للسامية والتى تمتدح الزعيم الألمانى النازى أدولف هتلر.

أخيرا: فى خضم سباق عالمى محموم نحو تطوير الذكاء الاصطناعى قد يجد البشر أنفسهم إزاء واقع لا رجعة فيه، وأنهم يقفون على أعتاب تهديد وجودى غير مسبوق قد يؤدى إلى انتهاء دورهم أو كما يرى البعض تفريغ الإنسان من قدرته على التحكم بمصيره، نتمنى أن لا نصل إلى هذه المرحلة.