خارج السطر
الكتابة على لوح ثلج
تكتبون تكتبون، ولا حال يتبدل، ولا أمر يتغير. تكتبون تكتبون ولا يرتدع الظلم، أو تتلاشى غابات القبح. لا يُقلع الفاسدون عن فسادهم، ولا يحن الموسرون على الفقراء. يفوز بالمعارك الأكثر توحشا، ويصعد فى المناصب الأعلى تزلفاً، وتتواصل الحروب، وتتمدد الكروب، وتقسو القلوب، ويطول الغفو.
فى بلاد خاصمت الكتابة، وهجرت القراءة، ونسيت حق الكلمة وحريتها وشرفها يكتب مَن اعتاد الكتابة كأنه لا يكتب. لا تهتز أزهار الشرفات، ولا تبتسم وجوه العصافير، ولا يتبدد الخوف، ولا تتوقف المعاناة. يواصل الحال ما سبقه، ويتبدد كل أمل فى الغد.
تدور المطابع دوراتها، تصدر الصحف والمجلات، تولد الكتب، ويحتضن الفضاء الأوسع مدونات بلا حساب، تصل إلى كل إنسان، شاء من شاء وحجب مَن حجب. ورغم ذلك لا أثر لكلمة ولا نجاح لفكرة ولا تغيير يُمكن أن يوصف بإصلاح نتاج رأى حر.
السكون، والجمود، والتسليم، والسير خلف القطيع ديدن الوطن، والذى لم يتعلم سادته أن التعليم وحده هو ركيزة التقدم ومصطبة التطور والريادة.
الاعتياد آفة هذه الأرض الطيبة التى اعتبرت الأوضاع الآنية بكل وحشيتها وقبحها أفضل الممكن، وتصورت أن كسر هذا الاعتياد يزعزع الاستقرار.
يجتاح الكتبة شعور عام بالاحباط والضيق. يشعرون بأنهم يكتبون على لوح ثلج. يزعجهم أن أغنية ركيكة أكثر سطوعا من كتاب قيم عن نهضة الأمم. يروعهم تداول الجمهور لمشهد تيك توك تافه يتضمن تنمرا من إنسان بمئات أضعاف عدد النسخ المباعة لرواية الثلاثية لنجيب محفوظ منذ صدرت. يغضبهم أن قدم اللاعب زيزو أغلى لدى بورصة النجوم من رأس المفكر الاقتصادى الدكتور محمود محيى الدين. يُحزنهم أن الملايين يعرفون عبد الله رشدى ويحفظون تغريداته الرجعية ولا يعرفون مّن هو عبد الجواد ياسين، ولا ما كتب أوطرح.
يسألنى ألف سائل: لم تكتب؟ وما جدوى الكتابة؟ ما أثر النشر والصحف والمقالات؟ ما معنى أن تطرح رأيا ولا أحد يلتفت؟ وما الداعى أن تجلس وتفكر لساعات وتخط حرفا إلى جوار آخر، ثُم تنسج عبارة ما وتربطها بأخرى لتكتب مقالا تنشره الصحف؟
أقاوم ثقل الأسئلة لأتذكر صديقا عزيزا صاحبته لأكثر من ثلاثين عاما اسمه عبد الرحمن الجبرتى، الذى كان يكتب وهو يعلم يقينا أن ما يكتبه لن يصل أحدا. فى الربع الأول من القرن العشرين كتب الرجل وهو شيخ بالخمسينيات كتابه الفذ «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار» الذى حاكم فيه الظلم والفساد وفضحه وقاومه. ولأنه كان مستقلا عن محمد على، رافضا جوره، أبى التحول لبوق له، لذا ظل ما يكتبه حبيس داره طوال حياته التى انتهت سنة 1825م. لكن مشيئة الله أبت أن تبقى كلماته محجوبة أبد الدهر، فبعد خمس وخمسين عاما من وفاته وتحديدا فى 1880 تم نشر كتابه ليتلقفه الناس، ويُترجم وينقل إلى لغات العالم كمنظار نزيه لأحوال البشر فى زمن الوالى الأشهر.
ربما تكون الكتابة غير مُجدية فى الزمن الآنى حيث تململ الناس، وسلموا. لكن قد يأتى أحد ما بعد قرن من الزمن أو أكثر ليكتشف فكرة أو رأيا جديرا بالاهتمام فيما كتب أصدقاؤنا الكتبة.
والله أعلم.