كبسولة فلسفية
«العقلانية».. فلسفة النور
العقلانية فكرة قديمة، ظهرت في الحقبة اليونانية القديمة (عقلانية أرسطو)، تلتها فترة من جمود العقل خلال القرون الوسطى، التي سادت فيها المسيحية وتراثها الروحي، حتى نشطت من جديد في العصر الحديث بعقلانية أوروبية حديثة، حاربت التراث الروحي الديني المسيحي وأقصته من الساحة الحياتية؛ إلا ما بقي منه في داخل الأفراد. تلك هي عقلانية ديكارت وهيجل، التي كانت عقلانية جدلية وعلمية؛ فعلميتها ظهرت في العلوم التجريبية كفيزياء نيوتن وبيولوجيا داروين، وجدليتها تمثلت في نظريات هيجل وكارل ماركس.
ولهذا نجد أن أصل نشأة العقلانية الحديثة يتدرج من فكرة الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون، الذي دعا إلى خلق عقل جديد، خالٍ وطاهر من أوهام الكهف (التقوقع)، والتراث، والنظريات القديمة. ويُضاف إلى ذلك نظرية الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، الذي دعا إلى الشك في كل المعارف الطبيعية، ولا يستثني من ذلك إلا نفسه، إذ يقول: "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، كما يدعو إلى التزام العقل بالأفكار الواضحة والمتميزة.
يُعتبر هيجل أول فيلسوف يبلور مفهومًا واضحًا عن الحداثة وعلاقتها بالعقلانية. ومن العوامل التي ساعدت على ظهور العقلانية الغربية الحديثة ونجاحها: انتصار حركة الإصلاح الديني في تحجيم سلطة الكنيسة، وإنهاء واحدية الفكر اللاهوتي، وحرمانها من احتكار تأويل النص المقدس، وانتصار الرعية على رجال الدين.
والعامل الآخر الذي ساعد هذه العقلانية الحديثة على الظهور في الأفق الإنساني، هو انتصار الثورة الفرنسية البرجوازية على النظام الملكي، وانتصار الرأسمالية على الإقطاع. فأصبح الإنسان، بعد أن تغيّرت النظرة إليه، جوهرَ العالم ومركزه وصانع مصيره، وذلك تبعًا للتغيّر الذي طرأ على وضعيته، وتحرّره من عبودية الكنيسة والإقطاع والملكية.
وهنا ظهرت فلسفة الإنسانوية، التي تدافع عن الحق الطبيعي للإنسان، والذي يكفل له التمتّع به بحكم إنسانيته (فلسفة الحق الطبيعي). وقد تطوّرت هذه الفلسفة عند مونتسكيو وجان جاك روسو – في إطار نظريّة "العقد الاجتماعي" – التي توفّر للإنسان، بحكم المواطنة، حقوقًا مدنية وسياسية تُلزم بها الدولة. وكانت آخر تجلّيات هذه الفلسفات التنويرية في عصر الأنوار (1784م)، حيث أفرزت ثقافة سياسية عبّرت عنها الطبقة البرجوازية، وانتصرت لها، وحققتها فعليًّا بعد الثورة الفرنسية في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، وجعلت من حقوق الإنسان أحد مبادئها الأساسية، حتى غدت الإنسانوية بموجب ذلك حقًّا دستوريًّا وقانونيًّا في كلٍّ من الولايات المتحدة وفرنسا.
وختامًا، نجد أن العقلانية لعبت دورًا حاسمًا في تطوّر الفكر الغربي الحديث؛ فمنذ أن بدأت أوروبا تسير في دروب العقلنة، بدأت مجموعة من الظواهر تتسرّب إلى صُلب الحياة الفكرية والعلمية والاجتماعية. فعلى مستوى الفكر، استطاعت العقلانية أن تُفكّك التصوّرات اللاهوتية للعالم؛ إذ عندما أحلّت العلّة الفاعلة محلّ العلّة الغائية، أشارت إلى أن العالم محكومٌ بقوانين يمكن فهمها والكشف عنها، دون أن تكون هناك قوى غيبية أو مفارقة تتدخّل بين الحين والآخر لتؤثّر في مجريات الأحداث.
[email protected]