بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الطاقة المتجددة في الإنتاج الزراعي العربي

أزمة الزراعة في العالم العربي ليست أزمة إنتاج غذائي بقدر ما هي أزمة في البنية التحتية للرؤية التنموية نفسها. كما أن العلاقة بين الطاقة والزراعة لم تُطرح بعد كمسألة استراتيجية شاملة تتجاوز الجوانب التقنية والبيئية، لتُصاغ بوصفها مسألة سيادة معرفية واقتصادية. 
وفي ظل ما يشهده العالم اليوم من تحولات جذرية في مجال إنتاج الطاقة وتوظيفها، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن الغذائي مع استدامة الموارد ومعايير العدالة البيئية، تجد المنطقة العربية نفسها أمام لحظة حاسمة تتطلب إعادة بناء نموذجها الزراعي على أسس جديدة. فإما أن يُعاد تشكيل هذا النموذج اعتمادًا على مصادر الطاقة المتجددة بوصفها محركًا للاستقلال الاقتصادي وركيزة لتحقيق السيادة الغذائية، أو أن تنزلق المنطقة نحو مزيد من التبعية في سياق يتسم بندرة المياه، وتزايد اختلالات المناخ، والارتهان المستمر لمصادر خارجية غير مضمونة.
لا تزال السياسات الزراعية في معظم الدول العربية محكومة بفكرة التعامل مع الواقع كما هو، لا بما يمكن أن يكون عليه. ويغلب عليها التركيز على إدارة الأزمات وضبط الموارد المحدودة، دون الانفتاح الحقيقي على الإمكانيات التحويلية التي تتيحها التقنيات الحديثة في مجالي الطاقة والزراعة. في هذا السياق، تُختزل الطاقة في كونها عبئًا ماليًا أو مجرد بند دعم في الموازنات، بينما تغيب الرؤية التي تنظر إليها كعنصر محوري قادر على تغيير معادلة الإنتاج الزراعي من الأساس، ليس فقط من حيث الكلفة، بل من حيث فلسفة الاعتماد على الذات.
إن إدماج مصادر الطاقة المتجددة في القطاع الزراعي ليس مجرد إدخال أدوات جديدة أو تعديل تقنيات، بل هو مشروع تحوّل واسع يعيد رسم العلاقة بين الريف والدولة، ويمنح المجتمعات الزراعية قدرة حقيقية على الاستقلالية، سواء في إنتاج الغذاء أو في التحكم بمصادر الطاقة التي تدعم هذا الإنتاج. هذه ليست مسألة تشغيل مضخات بالطاقة الشمسية فقط، بل مسألة بناء نموذج إنتاجي متكامل يملك زمام المبادرة، ويُسهم في إعادة التوازن داخل الاقتصادات الوطنية، من خلال توسيع المشاركة، وتقليص التفاوتات، وإعادة الاعتبار لدور الريف في الدورة الاقتصادية العامة.
في السياق العربي، تأتي الطاقات المتجددة – وخاصة الشمسية والرياح – بوصفها أحد أبرز الموارد غير المستغلة بالمعنى الاستراتيجي، إذ تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (أيرينا)، إلى أن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمتلك إمكانات فريدة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية يمكن أن تتجاوز حاجتها الداخلية بكثير. ومع أن هذه الإمكانات الهائلة متاحة، إلا أنها لم تُترجم بعد إلى مشروعات زراعية واسعة النطاق يكون لها أثر ملموس في تغيير بنية الإنتاج الزراعي. ويعود ذلك إلى غياب التنسيق المؤسسي بين القطاعات المعنية، وافتقار السياسات العامة إلى رؤية مشتركة تربط بين الطاقة والزراعة والمياه ضمن إطار واحد متكامل، وهو ما يمكن تسميته بـ "الفراغ المؤسسي في التمفصل بين القطاعات".
من الناحية الفنية، تتيح الطاقة المتجددة فرصًا هائلة لخفض تكلفة الإنتاج الزراعي من خلال تشغيل أنظمة الري بالتنقيط، وضخ المياه من الآبار الجوفية، وتحلية مياه البحر لاستخدامها في الزراعة، وكل ذلك دون الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي أثقل ميزانيات الدول والمزارعين على حدّ سواء. هذا التحول من شأنه أن يحفظ الموارد الهيدرولوجية، ويقلل من الأثر البيئي الناتج عن الانبعاثات، ويعيد إنتاج العلاقة بين المزارع والمورد بطريقة أكثر استقلالية وكفاءة.
لكن الأهم من ذلك، أن دمج الطاقة المتجددة في الزراعة يحمل في جوهره إمكانية لإعادة توزيع مراكز القوة داخل الدولة. إذ يُمكن للمناطق الريفية أن تتحول من هامش إنتاجي يعتمد على المركز الحضري، إلى فضاء استثماري مكتفٍ ذاتيًا يخلق الوظائف، ويُفعّل رأس المال الاجتماعي، ويعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها. وفي هذه النقطة بالذات، تتقاطع التنمية الزراعية المدفوعة بالطاقة المتجددة مع نظرية "رأس المال البيئي" التي ترى أن التنمية المستدامة لا تتعلق فقط بحماية البيئة، بل بإعادة توزيع الموارد والفرص على نحو أكثر عدالة.
غير أن هذا التحول يواجه عدة معيقات هيكلية لا تتعلق فقط بتكلفة الاستثمار، بل بتوزيع المعرفة، وضعف القدرات المؤسسية، وانعدام الإرادة السياسية الواضحة. فالطاقة المتجددة تحتاج إلى بنية تحتية مؤهلة، وقوانين استثمار مرنة، وتكامل أفقي بين الوزارات والقطاعات، وهو ما تفتقر إليه كثير من الدول العربية التي لا تزال حبيسة الأنماط الإدارية التقليدية التي تتعامل وتُعالج قضايا الطاقة والزراعة على نحو منفصل، دون أن تُبنى بينها روابط استراتيجية تتيح استثمار الإمكانات الكامنة في تقاطع هذين القطاعين.
وليس من قبيل المصادفة أن أغلب النماذج الناجحة في هذا المجال جاءت من مبادرات مجتمعية مدعومة بشراكات دولية، أو عبر تدخلات محدودة للقطاع الخاص، في غياب رؤية وطنية موحدة تستبطن هذا التحول كخيار وجودي، لا فقط كجزء من التزامات بيئية دولية. ثم أن ضعف برامج البحث العلمي، والافتقار إلى مدارس معرفية عربية تعنى بدراسة الروابط المركبة بين الطاقة والزراعة، يجعل من الاستيراد المعرفي الخيار الوحيد، وليحرم المنطقة من تطوير حلول محلية مُكيّفة مع مناخها ومجتمعاتها.
ولا يمكن إغفال أن بعض التحديات مُتجذرة في طبيعة مصادر الطاقة نفسها. فالطاقة الشمسية والرياح، رغم نظافتهما، يعانيان من الانقطاعات الدورية وعدم الثبات، مما يستدعي استثمارات موازية في تقنيات تخزين الطاقة، وهي تقنيات لا تزال مُكلفة وتخضع لاحتكار تكنولوجي عالمي.
ومع ذلك، فإن الحديث عن الكلفة لا بد أن يُفهم ضمن أفق أوسع يأخذ في الحسبان الثمن الباهظ للاستمرار على النهج القائم دون تغيير. إذ تُشير تقارير البنك الدولي إلى أن تكلفة انعدام الأمن الغذائي، وتقلبات أسعار الغذاء، وتدهور الموارد الطبيعية، تُكبّد الاقتصادات العربية مليارات الدولارات سنويًا، فضلاً عن الفاتورة الاجتماعية والبيئية الغير محتسبة. في المقابل، فإن الاستثمار في الطاقات المتجددة الزراعية هو استثمار في المستقبل، وفي الاستقرار السياسي، وفي استعادة ثقة المواطن بالدولة.
إن التحول المطلوب لا يقتصر على إصلاح أدوات الإنتاج، بل يجب أن يصل إلى مستوى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى. نحتاج إلى إعادة هندسة منظومة السياسات العامة، بحيث يتم التفكير في الطاقة والزراعة والمياه كشبكة واحدة، لا كقطاعات معزولة. وهذا يتطلب جهازًا معرفيًا متعدد التخصصات، وقدرة على التفكير النسقي، ومناخًا سياسيًا يُغلب المصلحة المستقبلية على الرؤية الشعبوية الآنية.
السؤال الجوهري هنا لا يتمحور حول ما إذا كانت الطاقة المتجددة قادرة على خدمة التنمية الزراعية، بل يتعلق بامتلاكنا كعرب لمشروع متكامل يعيد صياغة علاقتنا بالموارد. هل يمكن أن تصبح الطاقة المتجددة مدخلًا لبناء منظومة زراعية حرة، ومجتمعات أكثر استقلالًا، ودول أكثر قدرة على حماية غذائها ومائها وأمنها البيئي؟
في زمن تتقاطع فيه أزمات الغذاء مع تغير المناخ، وتُستخدم الطاقة كسلاح في الجغرافيا السياسية، تصبح الزراعة القائمة على مصادر طاقة محلية ومتجددة استراتيجية بقاء. وحين تُبنى هذه الاستراتيجية على رؤية معرفية تتجاوز حدود التخصص، وتُسندها إرادة سياسية واعية بأن السيادة تبدأ من امتلاك أدوات الإنتاج لا من استيراد نتائجه، نكون حينها قد شرعنا فعليًا في كتابة فصل جديد من الاستقلال العربي، من منطق الامتلاك والتحكم، لا من موقع المتلقي والمنتظر.