قطوف
نبضة أخيرة
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
"سمية عبدالمنعم"

لم تمر بضع ثوان حتى تحولت خطواته الرتيبة إلى الركض على أصداء الصراخ فى نهاية الممر.
استوقفته المرأة، فى منتصف العمر، تستغيث دون أدنى إدراك: - أستحلفك بالله يا دكتور...، لا تفعل... لا تقتل ابنتى أرجوك...آااه.
كادت تهوى، قبل أن يسرعا بإسنادها إلى الخارج.
انتهى الأمر، حديثك واحد منذ خمس سنوات، وقد توقفت استجابتها منذ سبعة أشهر.
تدخل طبيب أقل صرامة: هذا ليس قرار أحد منا يا دكتور كمال.
إذن هلا تفضلتم معى.
دلف مستطردًا، يجاهد ثورة لا ينبغى انفجارها، بينما يوجه ضوء المصباح نحو حدقتيها: انظر، ها هى استجابة، ألا تكفي؟....حسنًا.. نشاط الدماغ؟...ضعيف، ولم ينعدم... الوعى فى أقل درجاته، لكنه لم ينهر.
غادر المدير، رفقة أعضاء اللجنة، ولم يغادر حنقه نَفَس الطبيب، وهو يتخذ مقعده جوارها.
شيء ملائكى تحويه، فى ثوبها الأبيض، كلما راقبته، وهو يغرس نبتة تلو أخرى، تزيد المرج الأخضر دفئًا وسكينة. أغمضت عينيها تستنشق مزيدًا من شيء لا يشبه الهواء كما عرفته، تخطو على إثره، نحو الأفق، حتى اختنقت أنفاسها دون صوت يقود الزارع بعيدًا عن نبتته، أو يلتف على إثره من يلوح خلف الضباب.
سألها ضاحكًا: ألم تنتبهى هذه المرة أيضًا؟
أشارت فى ارتباك نحو الطيف ذاته، وأجابها دون اكتراث: آه....هل ما زال هنا؟
هل ما زالت تلك الزجاجة صالحة للاستهلاك، رغم سباتها الطويل فى معطفه؟ ولِم يسأل وهو يعلم كيف يجيب؟ وإن أرادت البقاء؛ لِم تلوح بطرف استسلام بين حين وآخر؟ ولم يستميت؛ لأجلها؟ الوقت؟ متى ينفد، وإلى أين ينفد؟
خلع نظارته فى إعياء مستندًا إلى طرف السرير قبل أن يتذكر. هذا الهاتف، ما زال يحمل صورتهم كما احتفظت بها زوجته، لم تنم إلى الأبد، ولم يرافقها صغيره، حين أخفق فى استعادة أنفاسها، بقواه المصابة.
وحتى اليوم لم يتجاوز ما وراءها؛ لتعلن رسالة معلقة دون كلل، عن نفسها:
«التشخيص النهائي: مرحلة متقدمة»
وعلى إثر رعدة صيفية، مرة أخرى تلوح فى استحياء كورقة تتأرجح على طرف الغصن.
