ذكرياتى (10)
أفضل هواياتى
تنوعت هواياتى وتعددت واتسع نطاقها واختلفت من مرحلة عمرية إلى أخرى، غير أنها قد حكمتها فى الغالب خيوط رئيسية، فمن حيث الرفاهية أو التنزه أحب الخضرة والماء وأحن كثيرا إلى الحقول الزراعية والجلوس فيها والاستمتاع برؤيتها والتأمل فيها ولاسيما عند ملتقى الخضرة بالماء، وقضيت معظم أوقات مذاكرتى فى المرحلتين الإعدادية والثانوية فى ربوع الريف وظلال أشجاره الوارفة ونخيله السامق، ولا زلت حين أزور القرية وأهلها الطيبين أحب الجلوس معهم بالأراضى الزراعية الملاصقة للبنيان وأرتاح كثيرا للجلوس معهم على الأرض أو ما تيسر من المتاع الريفى كالمقاعد الخشبية (المعروفة ريفيا بالدكة) مع جلسة شرب الشاى بها أو ما تيسر من خيرات الأرض المزروعة جوار المنازل، بل لقد عايشت بيوتا كان نخلها المثمر أو شجرة العنب أو غيرها داخل المنزل أو أمامه أو فى ساحته، وكنا نقطف ثمار ذلك بأيدينا، ويا لها من بهجة وسعادة بذلك، وكان فى بيت زوج أختى بكفر بنى على المعروف ببيت العمدة نخلتان مثمرتان فى فناء المنزل فإذا ما كنت بالدور الثانى تناولت التمر بيدك من أى منهما، أضف إلى ذلك جلسات شواء الذرة التى تتبعها جلسة الشاى بالحقول المتاخمة للمنازل، فضلا عن ممارسة بعض الألعاب التى كانت متاحة لأطفال القرية آنذاك وفى مقدمتها كرة القدم التى كنا نلعبها إما فى فناء المدرسة أو فى المناطق الخالية على أطراف القرية، وأعشق اللقاءات والتجمعات العائلية والأسرية ولقاء الأصدقاء.
ثم تطورت الهوايات مبكرا إلى حُبِّ الخطابة والقراءة والاطلاع واقتناء الكتب مبكرا، حيث أسست مكتبة جيدة ومتنوعة وأنا لا زلت طالبا بالمرحلة الجامعية.
ثم تطور الأمر وأصبحت القراءة وقاعات التدريس الجامعى ومراكز الثقافة الإسلامية والندوات العامة ومتابعة أخبار العالم السياسية والاقتصادية أفضل ما أجد فيه نفسى، فقد أحببت التدريس الجامعى إلى درجة العشق، ولم أنظر إليه يوما على أنه مجرد وظيفة، بل رسالة وهواية معا، ومن فضل الله تعالى أننى قد درست معظم العلوم العربية والشرعية فى مسيرتى المهنية وألفت فى كثير منها، ففى مجال تخصصى الدقيق الأدب والنقد درّست الأدب الجاهلى والأدب فى عصر صدر الإسلام والأدب الأموى والعباسى والأندلسى والأدب الحديث والأدب العمانى والبحث الأدبى والنقد الأدبى القديم والنقد الأدبى الحديث، كما درست فى اللغة العربية بصفة عامة إلى جانب الأدب والنقد مادة العروض والقوافى، والنحو والصرف، والمهارات اللغوية، ودرست من العلوم الشرعية فى مراكز الثقافة الإسلامية: الدعوة والخطابة، والتفسير وعلوم القرآن، وغيرهما، فضلا عما درّسته من الأدب والنقد قديمه وحديثه لطلاب الدراسات العليا وما أشرفت عليه أو ناقشته من رسائل ماجستير ودكتوراة.
وأذكر أننى عندما ذهبت معارا إلى التدريس بكلية التربية بمدينة صور بسلطنة عمان اصطحبنى رئيس القسم آنذاك الأستاذ الدكتور على حمودان وكان أستاذا مغربيا عالما متمكنا فى اللغة العربية إلى عميد الكلية الأستاذ الدكتور عمر خليل وكان مصريا فى تخصص العلوم، وكان بالكلية عجز فى تدريس النحو والعروض، وكأن رئيس القسم قد تحرج أن يكلفنى بتدريسهما كونهما فى غير تخصصى ولأنه لم يكن قد عرفنى جيدا، فأراد أن يستشفع فى ذلك بعميد الكلية، فقال لى العميد: يا دكتور قل لنا ماذا يمكن أن تدرّس، فأجبته بالطبع الأولوية لتخصصى فى الأدب القديم والنقد الأدبى القديم، فإن لم يتيسر فالأدب والنقد قديما أو حديثا، فإن كان بالكلية عجز فى بعض أساتذة المواد الأخرى فى النحو والصرف، وعند الضرورة يمكن أن أدرس أى مادة عربية أو شرعية، وهنا تهلل وجه العميد ورئيس القسم معا، فبدأت العمل هناك بتدريس النحو والصرف والعروض والقوافى والأدب العمانى لطلاب قسم اللغة العربية، والدراسات اللغوية لطلاب شعبة الدراسات الإسلامية.. وللحديث بقية.
الأستاذ بجامعة الأزهر