كنوز الوطن
حروب العقول فى عصر التضليل الإعلامى!
فى خضم التحولات العالمية الراهنة، تشهد مصر معركة وجودية مختلفة فى طبيعتها عن الحروب التقليدية، حيث تحولت ساحات القتال إلى فضاءات رقمية ووسائل إعلامية، وبدون شك هذه المعركة لا تقل خطورة عن التحديات الأمنية والاقتصادية، بل قد تفوقها تأثيراً على المدى البعيد، إذ تستهدف العقل الجمعى للمصريين قبل أن تستهدف مؤسسات الدولة.
ولا شك أن القيادة السياسية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى أدركت طبيعة هذا التحدى الجديد، حيث أكد فى أكثر من مناسبة أن المعركة الحقيقية تدور حول وعى المواطن وقدرته على التمييز بين الحقائق والمزيف، وهذه الرؤية الاستباقية تعكس فهماً عميقاً لآليات العصر الرقمى الذى تحولت فيه المعلومات إلى سلاح ذو حدين.
وأرى أن بلادى باتت تواجه حملات إعلامية منظمة تعتمد على استراتيجيات متطورة تتراوح بين تضخيم الأزمات وتلفيق الوقائع، مستغلة فى ذلك سرعة انتشار المعلومات فى العصر الرقمى.. هذه الحملات لا تهدف فقط إلى تشويه صورة الدولة، بل تسعى إلى تقويض الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم الوطنية، مستخدمة فى ذلك أدوات نفسية معقدة تتعامل مع العواطف أكثر من العقول.
ولكن.. ومن وجهة نظرى.. أن الصورة ليست قاتمة كما يحاول البعض تصويرها، فخلال السنوات الأخيرة، حققت مصر إنجازات ملموسة فى مجالات الأمن والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية، تشكل سداً منيعاً أمام محاولات التشكيك.. هذه الإنجازات الواقعية تشكل الأساس المتين لأى خطاب إعلامى وطنى قادر على مواجهة حملات التشويه.
وأرى أيضًا أن مواجهة هذه التحديات تتطلب رؤية متكاملة تبدأ من المنظومة التعليمية التى يجب أن تزرع مهارات التفكير النقدى، مروراً بوسائل الإعلام التى يتعين عليها الانتقال من دور الناقل السلبى إلى صانع الوعى الفاعل، وصولاً إلى كل مواطن يتحول إلى حارس للصدق فى دائرة تأثيره.
وهنا.. وبطبيعة الحال، يبرز دور الإعلام الوطنى كركن أساسى فى المعركة، حيث يتعين عليه تطوير أدواته لمواكبة العصر، مع الحفاظ على مصداقيته.. فليس المطلوب إعلاماً داعماً بشكل أعمى، بل إعلاماً قادراً على تقديم الحقائق بموضوعية واحترافية، يعترف بالتحديات ويبرز الإنجازات دون مبالغة أو تهوين.
ولكن الذى لا يجب أن يخفى على أحد أن التجربة التاريخية لمصر أثبتت قدرتها على تجاوز الأزمات وتحويل التحديات إلى فرص.. واليوم، وفى مواجهة هذه الحرب الإعلامية غير المعلنة، تمتلك البلاد كل المقومات للانتصار، شرط أن يتحلى الجميع بروح المسئولية وأن يتسلحوا بالوعى والمعرفة.. فكما انتصرت مصر على تحديات الماضى، ستظل قادرة على حماية حاضرها وصياغة مستقبلها بعيداً عن محاولات التشويه والتضليل.