بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

قضية ورأي

بناء المعارضة

قرأت أن الرومان، كانوا يلزمون الجنرالات المنتصرين، باصطحاب عبيد يهمسون فى آذانهم بأنهم «فانون» حتى لا يصابوا بالغرور.. ويبدو أننا جميعا نحتاج من يهمس فى آذاننا بأن أحدا لم يعرف سرا للخلود بعد، وأننا لامحالة زائلون.
عبر التاريخ، كثيرًا ما ارتفعت هامات القادة والسياسيين المنتصرين فوق مستوى البشر، فتُنسَج حولهم الأساطير، وتُحجب أخطاؤهم تحت رداء «العصمة» أو «العبقرية الفذة». لكن هذا التصور يشكل خطرًا كبيرًا على المجتمعات، لأن تجاهل بشرية هؤلاء القادة يُفسح المجال للغرور، ويمهّد للاستبداد، ويشلّ أدوات النقد والتقويم.
ولعل تذكير القادة بأنهم بشر، يمكن أن يخطئوا ويصيبوا، ويجب أن يُحاسَبوا لا أن يُؤلَّهوا، هو من أهم الواجبات السياسية والأخلاقية فى أى مجتمع حى.
قد يأتى التمجيد الزائد للقادة المنتصرين من عدة دوافع نفسية واجتماعية، منها البحث عن بطل مخلص، وهى ظاهرة انتشرت فى مصر بجدارة لدرجة أنك لو طالعت مواقع التواصل الاجتماعى الشعبية لشاهدت كم التهانى بحركة ترقيات الضباط ولأدركت كم التعلق بـ «البطل المخلص».
ففى أوقات الأزمات، تتطلع الشعوب إلى منقذ خارق. وعندما يتحقق النصر، تُسقِط الجماهير آمالها على القائد، وتبدأ فى رفعه إلى مصاف «الاستثناء».
أيضا يلعب الإعلام دورا كبيرا فى خلق صورة أسطورية للقائد، تصوّره كصانع كل إنجاز، وتخفى مساهمات الآخرين، بل وحتى الحظ والظروف لا مجال لهما مع حركة القائد.
ثمة سبب ثالث، وهو ضعف ثقافة النقد.. ففى المجتمعات التى يغيب فيها الوعى الديموقراطى، تُعد معارضة القائد خيانة، وليس نقدًا مشروعًا.. وكذلك تتطرف المعارضة، وإما تتحول إلى نقد هدام بلا رؤية، وربما إلى تخوين وتكفير القادة ومن يساعدهم ويدعمهم.
يكفى أن تنتقد الأوضاع الاقتصادية فتنهال عليك اتهامات التخوين والجهل بالظروف المحيطة فى المنطقة، من ليبيا إلى السودان وسوريا والعراق.
ويكفى أن تدعم الحكومة فتنهال عليك اتهامات من نوعية «بيع القضية» و«التطبيل» وأنك «دولجي» على وزن «عربجي».
وهناك جهاد «لايكات الهأ هأ» لتمييع أى قرار وموقف سواء للحكومة او المعارضة..
فقط لا رؤية بناءة، ولا ثقافة مشاركة حقيقية.. وإنما مزايدة بلا سقف.
فى فرنسا، بدأ نابليون كمنقذ للجمهورية الفرنسية، وحقق انتصارات عظيمة فى أوروبا.. لكنه بعد أن شعر أنه فوق القانون، نصب نفسه إمبراطورًا، وغزا روسيا فى قرار كارثى، قاد إلى انهياره.. ولو وُجد حوله من يذكره أنه بشر، ربما نجا من هذا المصير.
فى المقابل، ورغم قيادة تشرشل الناجحة لبريطانيا فى الحرب العالمية الثانية، إلا أنه لم يُعامل كمنقذ مقدس، وخسر الانتخابات بعد الحرب. وهذا النموذج الديمقراطى أعطى رسالة قوية هى أن النصر لا يعنى العصمة.. بل إن تشرشل نفسه قبل الهزيمة السياسية بروح عالية، وظل يخدم بلاده.
ولعل أعمق ما قرأت عنه قوله: «المعارضة هى مجموعة من الأشخاص الذين يعتقدون أنهم يعرفون أفضل من الحكومة، ولكنهم لا يعرفون كيف يفعلون ذلك».
وإلى أن نعرف كيف نفعل ذلك، علينا أن نلتزم بقليل من الحكمة.. فقليل من الحكمة لن يضر.