بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

خارج السطر

سيرة رجل من المحن إلى المنح

خارج السطر
سيرة رجل من المحن إلى المنح
أعشق قراءة السير لأتعلم وأستضىء من تجارب البشر. فحيواتهم مختبرات حية معلمة وملهمة، ومفعمة بالدروس.
وسيرة رجل الأعمال والوزير السابق محمد لطفى منصور من السير التى تكشف عوالم غريبة فى البزنس والحياة العامة. لقد صدرت السيرة قبل عامين باللغة الإنجليزية عن دار بنجوين للنشر، ثم صدرت النسخة العربية منها مؤخراً عن جرير للنشر تحت عنوان «مسيرتى».
يعرف الناس لطفى منصور كأحد الأثرياء الكبار فى العالم، الذى يمتلك ويدير ويستثمر فى عشرات العلامات الكبرى مثل «ماكدونالدز»، «شيفروليه»، «كاتربيلر»، وغيرها. كما يعرفونه كوزير سابق تولى وزارة النقل فى السنوات الأخيرة لحكم مبارك، وكان أحد قلائل قدموا استقالتهم، وغادروا بمحض إرادتهم.
يغبط البعض الرجل على المكانة العالمية، والثراء الكبير، والتأثير اللامحدود وهم لا يدركون رحلة الأوجاع والصعاب والتحديات التى خاضها ليصبح ما صار إليه.
ينتمى صاحب السيرة لعائلة عريقة تعرضت لظلم ثورة يوليو، وضرباتها العشوائية للقطاع الخاص والناجحين من المستثمرين، فصمدت وقاومت.
تبدأ أوجاع الرجل بحادث سيارة تعرض له وهو فى العاشرة، كاد يؤدى إلى بتر ساقه، وألزمه المكوث حبيس منزله ثلاث سنوات، عانى خلالها الألم والوحدة والحرمان من الرياضة والأصدقاء.
بعدها بسنوات سافر للولايات المتحدة للدراسة، لكنه فوجئ هناك بقرار التحفظ على ثروة عائلته، ليصله خطاب من والده لطفى منصور، تاجر الأقطان الناجح، يخبره بأنه لم يعد فى إمكانه أن يرسل إليه مصروفاته الدراسية والمعيشية، نظراً لاستيلاء حكومة عبدالناصر على كل ما يملك. وحفزه والده على العمل للإنفاق على دراسته، وبالفعل عمل نادلاً فى مطعم ليدبر مصروفاته.
ولم يمر وقت طويل على هذه الصدمة، حتى فوجئ الشاب ذو العشرين عاماً بإصابته بورم خبيث فى وقت كانت كلمة السرطان فيه بمثابة حكم إعدام نهائى. وفى أمريكا صار عليه أن يقاوم المرض بصلابة وقوة، ليجرى جراحة خطيرة، ويخضع لعلاج مرير، وحيداً، غريباً، وبعيداً عن عائلته.
وخرج الشاب من المحنة بمنحة مثابرة وإصرار على النجاح. تفوق فى دراسته، وعمل فى مجال الاستشارات فترة محققاً نجاحات جيدة. أما والده فقد غادر مصر إلى السودان ليبدأ من جديد فى تجارة الأقطان بعد أن دعاه الرئيس جعفر النميرى للعمل هناك، ومرة أخرى حقق أرباحاً، لكنه استيقظ فجأة على قرارات اشتراكية بمصادرة الأموال والشركات، ليعود ثانية إلى نقطة الصفر.
ومع تولى الرئيس السادات حكم مصر، عاد الأب ليعمل مرة أخرى فى الأقطان، وانضم إليه ابنه محمد لطفى منصور ليحققا نجاحاً معتبراً.
وكانت فترة الانفتاح الاقتصادى فرصة طيبة لتحول أنشطة كيانات استثمارية عديدة من مجال إلى آخر، وهكذا تحولت العائلة إلى الاستثمار فى السيارات.
وبعد رحيل والده فجأة، تولى محمد منصور المسئولية ليطور الأنشطة ويتوسع فى قطاعات جديدة، وتخطى أزمة بعد أزمة لتحقق العائلة تفوقاً عظيماً وتصبح نموذجاً لريادة الأعمال فى الشرق الأوسط.
وجاءت تجربة وزارة النقل (2006-2009) كاشفة لصراعات عرفتها مصر خلال زمن مبارك، إذ تعرض محمد منصور لحملات هجوم ممنهجة من داخل النظام نفسه، وتم تحميله مسئولية حادث للسكة الحديد فى وقت بدأ فيه مشروعاً طموحاً لتطويرها. وإزاء الهجوم المبالغ فيه قدم استقالته، وفضل العودة إلى طموحه الاستثمارى.
ومما يحكيه أن مبارك تحدث إليه بعد مغادرته الوزارة فى ربيع 2010 وقال له «إننى لم أكن أريدك أن تستقيل لكنك كنت دائماً رائعاً»، ووقتها صارحه محمد منصور بأن هناك مصر أخرى لا يراها، فبعيداً عن النوادى والمجتمعات المرفهة أناس يعانون ويتآلمون ويواجهون حيوات قاسية، وهذا ما أغضب أنس الفقى وزير الإعلام وقتها فعاتبه. لكن منصور كان يدرك أن البركان على وشك الانفجار، وأن محاولات مبارك ترميم البنى الاجتماعية العتيقة لن تصمد كثيراً، وحدث ما توقعه.
وبعد تطليقه السياسة، تمددت مشروعاته، وتنوعت استثماراته، وكبرت، وتملكت العائلة علامات عالمية، وصارت حاضرة فى كل المجالات. وهكذا منحته جامعة كاليفورنيا الشمالية دكتوراه فخرية تقديراً لتفوقه، ومنحته المملكة المتحدة وسام فارس اعترافاً بنجاحه وعطائه الإنسانى.
وأصبحت تجربته نموذجاً حياً على النجاح المعتمد على الإصرار والقيم والمبادئ، بما يمثل درساً خالداً للطامحين.
والله أعلم
[email protected]