كفى كليات نظرية.. آن الأوان لجيل متسلح بالعلم الحديث
مع كل عام دراسى جديد، تتكرر نفس المشاهد ونفس الأسئلة ونفس الأوهام. ومع ظهور نتيجة الثانوية العامة، يبدأ السباق المحموم نحو كليات ما تُعرف تقليديًا بـ «كليات القمة»: الطب، الصيدلة، الهندسة، والأسنان. وكأن هذه الكليات وحدها هى بوابة المستقبل، وهى المعيار الوحيد للتفوق، بل وأحيانًا القيمة الاجتماعية للطالب وأسرته.
لكن الحقيقة الصادمة أن هذا التفكير عفى عليه الزمن، وأن التمسك الأعمى بهذه القوالب القديمة لم يعد يخدم الطالب، ولا المجتمع، ولا الدولة.
من المسئول عن هذا الخلل؟
من وجهة نظرى أن المسئولية مشتركة تبدأ من الأسرة التى تزرع فى عقول أبنائها أن النجاح الحقيقى لا يتحقق إلا بكرسى فى كلية من كليات القمة، مرورًا بالمجتمع الذى يربط بين المجموع العالى وتخصص بعينه، وتنتهى بمنظومة إعلامية وتعليمية لم تُحدث خطابها بما يكفى لتُعيد رسم خريطة الطموحات والاحتياجات.
نحن لا نقلل من قيمة الطب أو الهندسة أو غيرها، لكننا نُحذر من الجمود الفكرى والقصور فى التوجيه.. العالم يتغير بسرعة، وسوق العمل يطلب مهارات وتخصصات جديدة لم تكن تدرس فى جامعاتنا منذ عشر سنوات.
مصر تحتاج إلى عقول جديدة فى تخصصات جديدة.. نحن بحاجة إلى جيل جديد يتجه نحو العلوم الحديثة، لا لمجرد الشهادة، ولكن ليكون له دور فعال فى بناء الوطن: الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الذكاء الاصطناعى وعلوم البيانات، الأمن السيبرانى، الطاقة المتجددة، الميكاترونيكس والروبوتات، التقنيات الحيوية، الاقتصاد الرقمى والتجارة الإلكترونية.
هذه التخصصات ليست رفاهية، بل أصبحت الركيزة الأساسية لأى دولة تريد أن تواكب العالم وتؤمّن مستقبلها الاقتصادى والتنموى.
كليات النظر وحدها لا تكفى.. لقد آن الأوان أن نتوقف عن ضخ آلاف الخريجين من كليات نظرية دون رؤية أو تخطيط. البطالة ليست قدرًا محتومًا، لكنها نتيجة حتمية لسوء التوجيه، وغياب المعلومة، وتكرار نفس الأخطاء.. نحن نُخرج سنويًا عشرات الآلاف من خريجى الكليات النظرية دون أن نعرف إلى أين سيذهبون أو كيف سيخدمون المجتمع.. والنتيجة سوق عمل مشبع، شباب محبط، وطموحات معلقة فى الهواء.
الكرة الآن فى ملعب أولياء الأمور.. يجب أن تتغير طريقة التفكير، ويجب أن يتم توعية الأبناء بواقعية، وليس فقط عاطفيًا أو اجتماعيًا.. النجاح لم يعد يُقاس بالمجموع، بل بما يمتلكه الطالب من مهارات حقيقية، وإبداع، وقدرة على التطوير، ووعى باحتياجات المستقبل.
ليكن هناك حوار حقيقى داخل كل بيت مصري: ماذا تريد أن تصبح؟ ما المجال الذى يطور قدراتك؟ ما هو تخصص الغد؟ كما أن على الإعلام دورًا محوريًا.. يجب أن يُسلط الضوء على قصص النجاح فى التخصصات الحديثة، ويبرز خريجى مجالات الذكاء الاصطناعى، أو البرمجة، أو الطاقة، كما كان يُحتفى فى الماضى بالطبيب أو المهندس.. الصورة النمطية يجب أن تتغير، واللغة الإعلامية يجب أن تواكب واقعًا جديدًا.
كلمة أخيرة:
مصر لن تبنى من خلال الحنين إلى الماضى، بل من خلال صناعة المستقبل.. ولن نصنع مستقبلًا بأدوات الأمس.. آن الأوان أن يكون خريج الجامعة متسلحًا بالعلم والمعرفة الحقيقية، لا بشهادة فقط.. نحتاج إلى خريج يفكر، ينتج، يبتكر، ويتعامل مع العالم من حوله بلغته.
المعادلة بسيطة: لن ننهض إلا إذا أعددنا جيلًا يؤمن بأن المستقبل لا يصنعه من يجرى خلف «كليات القمة»، بل من يصنع «قمته» الخاصة بما يملكه من علم وقدرة وجرأة على التغيير.