مسار القهوة
الإعلام والعولمة
لقد ظهر مصطلح العولمة وتغلغل فى شتى المجالات منذ عدة عقود؛ وأصبحت للعولمة مفاهيم متعددة اقتصادية وثقافية واتصالية إعلامية، وتظهر المضامين الاقتصادية فى نمو وتعميق الاتفاق المتبادل بين الدول والاقتصاديات القومية فى وحدة الأسواق المالية وفى عمق التبادلات التجارية، فى حين تبرز مضامين العولمة الثقافية فى الاتجاه لصياغة ثقافة عالمية لها قيمها ومعاييرها والغرض منها ضبط سلوك الدول والشعوب، أما عن العولمة الاتصالية الإعلامية فتبرز مضامينها من خلال البث الإذاعى والتليفزيونى عن طريق الأقمار الصناعية أو من خلال شبكة الإنترنت وتطبيقاتها الحديثة وخدماتها المتنوعة التى تعمل على خلق عملية اتصالية كبيرة فى كل أنحاء العالم.
ويعرف جون توملنسون العولمة بأنها تشير إلى عملية تتطور بسرعة لارتباطات معقدة بين المجتمعات والثقافات والمؤسسات والأفراد فى جميع أنحاء العالم. إنها عملية تنطوى على ضغط الوقت والمكان، وتضييق المسافات من خلال تقليل مدهش للوقت الذى يتطلبه مرورهم، وبذلك تجعل العالم يبدو أصغر، وبمعنى آخر تجعل البشر أقرب إلى بعضهم البعض. إنها تنقل العلاقات التى تحكم حياتنا اليومية من الأطر المحلية إلى الأطر العالمية. وهكذا فإن العولمة فى أعلى مستويات من العولمية، يمكن فهمها ببساطة فى أحدث صياغات «أنتونى جيدنز» على أنها تقريب المسافات.
وهناك اتجاهان فى تناول موضوع العولمة، الاتجاه الأول يتناولها كحتمية حضارية يدعمها التطور الإنسانى بوجه عام، أما الاتجاه الثانى فيتناول العولمة كامتداد للفكر الاستعمارى وكتجسيد لهيمنة القطب الواحد على العالم كله.
وأيا كانت الاختلافات بين الاتجاهين فإن العولمة قد أصبحت واقعا تفرضه الحضارة الأكثر تطورا بإمكانياتها الهائلة فى مواجهة إمكانيات وقدرات ضعيفة للحضارات التى تمثلها المجتمعات النامية، ويمكن القول إن معاناة المجتمعات النامية من العولمة ليست ناتجة عن فكرة العولمة فى حد ذاتها بقدر ما هى ناتجة عن الواقع الذى تعيشه هذه الدول الذى نتجت عنه فجوة هائلة بين هذه المجتمعات والقوى المتقدمة الداعية إلى العولمة.
وفى النهاية وفى ظل هذه المعاناة يمكن تحديد بعض الأهداف الأساسية التى ينبغى أن تعمل الإذاعة بالراديو والتليفزيون على تحقيقها لمساعدة مجتمعاتها النامية على مواجهة الواقع الجديد الذى تفرضه العولمة، وذلك من خلال: العمل على تدعيم القيم العربية الأصيلة لدى المستمع والمشاهد العربى، وإبراز الهوية الحضارية العربية والتعريف بها وتنميتها والمحافظة عليها، والعمل على تحقيق مزيد من التواصل مع المستمع والمشاهد ونبذ أفكار الإرشاد والتوجيه، واستبدالها بأفكار أخرى تتمثل فى الاندماج، والمشاركة، والاهتمام بالإذاعات المحلية بالراديو والتليفزيون، وبدورها الهام فى التعبير عن الواقع المحلى للإنسان العربى، وتوفير البديل الإعلامى العربى فى عصر الفضاء حتى يكون الزاد الأساسى الذى يعتمد عليه الإنسان العربى سواء من خلال أجهزة الإعلام العربية على الأرض أو القنوات العربية فى الفضاء، والالتزام بالصدق والموضوعية بما يدعم مصداقية الإعلام الإذاعى العربى من أجل ضمان فاعليته لاسيما فى مواجهة القنوات الإذاعية الوافدة فى عصر السماوات المفتوحة وفى ظل العولمة.
أستاذ الإعلام المساعد بكلية الآداب – جامعة المنصورة