أوراق مسافرة
هو وكل الضمائر الغائبة «١٨»
فيما يتشبث أغلب الشعب بحبال الصبر و«يشد الحزام على بطنه» على أمل أن الغد أفضل عندما تثمر مشروعات وطنية عاجلة أو آجلة الحصاد، وفيما يعيش الآباء والأمهات حرمانًا قهرياً أو طوعياً لأنفسهم لتوفير نفقات التعليم والحياة شبه الكريمة لأولادهم على أمل أنهم سيحصدون فى الغد من مستقبل جيد من تعليم ومن ثم عمل يكفيهم شر العوز، فإذا بجل، إن لم أقل، كل أحلامهم تطيح بها لعنة المخدرات والتى لا تكاد عائلة تخلو من إصابة ابن من أبنائها أو بناتها بمصيبة الإدمان أو على الأقل التعاطى، لتبدأ دائرة جديدة من الصراع والعنف والإنهيار داخل الأسرة تنتهى بدراما مؤكدة من أى نوع.
وتكشف دراسة تقريبية لمركز إنسايت للصحة النفسية وعلاج الإدمان فى مصر أن معظم الجرائم البشعة التى ترتكب تعد المخدرات اللاعب الرئيسى فيها، فنسبة 86% من مرتكبى جرائم الإغتصاب كانوا يتعاطون الحشيش، 58% من مرتكبى جرائم هتك العرض و23.7% من مرتكبى القتل، و24.3% من مرتكبى جرائم السرقة بالإكراه كانوا يتعاطون المخدرات، ونسبة 56.7% من مرتكبى الجرائم بصفة عامة كانوا يتعاطون المخدرات قبل ارتكابهم للجريمة بساعات، و87% من الجرائم غير المبررة سببها تعاطى المواد المخدرة، يضاف لذلك تسبب المخدرات فيما يقرب من ٥٠% من جرائم الإنتحار، حوادث السيارات، حوادث الغرق، جرائم القتل الخطأ، جرائم العنف ضد الأطفال، العنف بين الأزواج..إلخ.
يقول الله تعالى فى محكم كتابه الكريم «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، أى سبحانه لا يزيل نعمة أنعم بها على قوم من عافية وأمن ورخاء بسبب إيمانهم وصالح أعمالهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من تلك الخصال الحميدة بسبب ارتكابهم للذنوب وغشيانهم للمعاصى نتيجة الإعراض عن الدين وتعاليم الله وعصيان أوامره وارتكاب نواهيه من المعاصى، وهو ما نرصده الآن من معاناة يعيشها الغالبية بسبب اتباع إغواء الشياطين، ولو حسبناها بحسابات دنيوية اقتصادية بحتة لوجدنا أن تلك المليارات«١٤٧ مليار سنوياً» التى ينفقها المتعاطون على السموم المسببة لتلف أجسامهم وتدمير أدمغتهم وضياع حياتهم، لو أنفقت سنوياً على المؤسسات الخدمية للمواطنين لأسهمت بصورة ملموسة فى إصلاح حال البلد مما هو فيه، لكن للأسف لا نعرف على وجه التحديد من هى تلك العصابة الكبرى التى تفوز بتلك المليارات بالتحكم فى تهريب وترويج المخدرات بهدف تدمير طاقات الشباب وتخريب العائلات وتفكيكها ونشر الجرائم المروعة من خلال المدمنين والمتعاطين.
لن نتجاهل أبداً أن من يتم ضبطهم من تجار المخدرات ليسوا سوى «صبيان» للمعلمين الكبار، تلك الرءوس المتحكمة والواثقة من قوتها ومن وجود حماية حديدية لها فلا تطولهم أيدى الأمن ولا القانون، وهؤلاء من يجب البحث عنهم وضربهم فى مقتل لإنقاذ أبناء مصر من تسونامى المخدرات التى ترسل لنا كل يوم عاصفة جديدة من الهلاك.
قد يبدو تصوراً مجنوناً منى حين أقول لو أن كارديلات المخدرات فى مصر وجهوا نشاطهم وأدمغتهم التى تخطط وتدبر لتوزيع تلك السموم، لو وجهوا أنفسهم لمشروعات استثمارية نافعة للبلد لاستبدلوا ملياراتهم الحرام بأخرى حلال، ولبارك الله لهم فى أموالهم، ولكن من أمن العقاب تمادى فى الجرم، وطالما بقى هؤلاء على قمة هرم الشيطان دون أن تطولهم يد العقاب، سيستمر الوضع من سيئ لأسوأ فى مصر، وما لم تستطع الحروب العسكرية للأعداء تحقيقه فى مصر، ستنجح المخدرات فى تحقيقه من خلال مجتمع يتدمر شبابه ويتدمر ذاتياً بالجريمة والعنف والفقر.
لذا على ضمائر العارفين..المتواطئين، المتجاهلين لمنظمومة المخدرات فى مصر أن تستيقظ وتتوب وكفاها ما حصدته مصر من أوجاع وتخريب، فعقاب الله آت لا محالة لهم، وطباخ السم ذائقه، ومن المؤكد أن نفراً من أبناء وعوائل هؤلاء سيسقطون فى براثن المخدرات، أدرك تماماً أن الآباء والأمهات صاروا فى صراع دائم مع أولادهم من أجل تربيتهم، تنبيههم، حمايتهم من اصدقاء السوء، ولكن للأسف كما قلت تسونامى المخدرات صارت عنيفة وقوية تستغل مناطق الضعف فى الشباب من تفكك أو انشغال أسرى، ضعف للشخصية، غياب الوازع الدينى، غياب القدوة، الشعور بالقهر والفقر، الفشل فى الدراسة أو الحياة العاطفية أو الإجتماعية، الشعور بالفراغ لدى الأثرياء، الرغبة فى التجريب وحب الإستطلاع، وغيرها من الأسباب. لذا كما أطالب بالضرب بيد من حديد على الرءوس الكبرى المتحكمة فى المخدرات، اطالب أيضا بإخضاع المدمنين والمتعاطين بصورة جبرية للعلاج فى مؤسسات وطنية للعلاج، وليس داخل تلك المصحات الخاصة التى تبيع المخدرات من الباطن للمدمنين حتى لا يتم شفاؤهم أبداً ويستمر استنزاف الأسر فى نفقات العلاج، وأن يتم داخل هذه المؤسسات الوطنية إعادة تأهيل المدمنين نفسيا واجتماعيا، ومساعدة الطلاب منهم فى استكمال دراستهم، والعاملين منهم يتم إلحاقهم بورش عمل يتقاضون منها أجر تحت رعاية علاجية، الموظفون منهم يتم اعتبار فترة علاجهم أجازة مدفوعة الأجر حماية لهم من الشعور بالإحباط والفشل، هكذا يصلح أولو الأمر الوطنيين أصحاب الضمائر الحية ما أفسده بعض أولى الأمر من الفسدة بقيادة عالم المخدرات لتدمير أبناء مصر.. وللحديث بقية.