بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

خلافات أسرية أفضت إلى الموت:

آباء لكن قتلة!!

بوابة الوفد الإلكترونية

 

 

فلذات الأكباد يدفعون ثمن تهور الآباء

أب يقتل أبناءه الثلاثة انتقاماً من الأم.. وأم تقتل أبناءها بسبب هز نفسية

خبراء: مطلوب تشريعات لحماية الأطفال من قسوة الآباء

 

ازدادت فى الآونة الأخيرة جرائم العنف الأسرى بشكل لا يصدقه عقل وهناك آباء لا يستحقون هذا اللقب تجردوا من كل معانى الأبوة والرحمة والإنسانية تبدلت قلوبهم بحجارة فبدلاً من أن يكون منبع الأمان أصبح منبع القسوة والعذاب.

فالأسرة من أهم مؤسسات المجتمع، إن لم تكن هى الأهم فى بنائه وإصلاحه، فهى التى تحتضن الأبناء منذ نشأتهم، وهى المؤثر الأول فى ميولهم ومشاعرهم واتجاهاتهم، لذا تعد علاقة الوالدين بالأبناء من أكثر العلاقات تأثيراً على استقرار جوانب الحياة داخل الأسرة. ولكن وللأسف لا تخلو الحياة الزوجية من وجود بعض الخلافات والتى تتفاوت فى درجتها بين القوة والضعف، فلكل من الزوجين رغبات وميول وآراء قد لا تتفق مع الطرف الآخر، وقد يكون فى نزول أحدهما لرأى الآخر شيء من الصعوبة؛ مما يتسبب فى وجود شيء من النزاع.

ومع اشتداد الخلافات بين الزوجين، وتعذر الوصول إلى تفاهم بينهما، يصبح الأبناء هم الضحية الأولى لهذا الصراع؛ فهم من يدفعون الثمن، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وتمتد آثار النزاع لتصيبهم فى صميم حياتهم، فيحترقون بناره، ويعيشون فى أسرة تقطعت أوصالها، وتصدعت جدرانها بصراخ يومى دائم، يهدد أمنهم واستقرارهم.

وقد تتأزم حالتهم النفسية، وتتشوش عواطفهم، ويتأثر توازنهم العاطفى بسبب مشاهد التنازع المستمر بين الأبوين. ومع الوقت، يمهد الطريق أمام انحراف سلوكهم الاجتماعى، وتنحدر معنوياتهم، ليغرقوا فى مشاعر القلق والاضطراب النفسى والعصبى.

وقد تتكون فى داخلهم عقد نفسية كـ«الانطواء»، و«السخط»، و«ضعف الثقة بالنفس»، وربما يتطور الأمر إلى ما هو أخطر، حيث يصبح العنف ضدهم وسيلة تنفيس داخل هذا المنزل، وقد يصل الحال فى بعض الحالات إلى القتل».

ضحايا العنف الأسرى

فى محافظة المنيا، شهدت قرية زهرة جريمة بشعة حيث قتل أب أطفاله الثلاثة: «رحمة» (10 سنوات)، و«رودينا» (7 سنوات)، و«رمضان» (3 سنوات)، وذلك بعد خلافات حادة مع زوجته التى تركت المنزل قبل أسبوعين. هذه الجريمة هزت الرأى العام، وفتحت الباب أمام التساؤلات عن أسباب تحول رب الأسرة إلى قاتل.

ولم يختلف الأمر كثيراً فى مدينة الشروق، حيث تكررت المأساة ولكن هذه المرة من الأم، التى أنهت حياة أبنائها الثلاثة خنقاً باستخدام «ربطة عنق»، ثم سلّمت نفسها للشرطة. وأرجعت التحريات الحادث إلى حالة نفسية حادة تمر بها الأم، وتم تحويلها للطب النفسى للكشف عن سلامة قواها العقلية.

أما فى مدينة العاشر من رمضان، فوثق مقطع فيديو صادم لحظة تعرّض طفل يبلغ من العمر 10 سنوات للتعذيب على يد والده باستخدام عصا خشبية فى «بلكونة» منزله، بمشاركة الأم التى كانت تراقب الموقف دون تدخل. ادّعى الأب أن الطفل سرق هاتف شقيقه ليشترى سجائر. النيابة حبست الأب 4 أيام على ذمة التحقيق، وأخلت سبيل الأم بكفالة، وتم إيداع الطفل بدار رعاية.

كيف تحول الآباء لقتلة؟

أجاب عن هذا التساؤل الدكتور وليد هندى استشارى الصحة النفسية، قائلاً إن مرتكب الجريمة أو القاتل يتعرض لممارسة العنف ضده منذ الطفولة سواء من والديه أو أشقائه أو أصدقائه أو حتى معلميه فى المدرسة، ونظراً لضعف بنيانه الجسدى فإنه لا يستطيع إحداث رد فعل على العنف الذى تلقاه فيقوم بتخزين الموقف إلى أن يصبح لديه القدرة على التعبير عن هذا العنف فيحدث ما يسمى (إعادة إنتاج السلوك) حيث يقوم بممارسة العنف الشديد تجاه الآخرين فى مواقف قد تبدو بسيطة ولا تستوجب ضخامة هذا السلوك.

وأشار استشارى الصحة النفسية إلى أن ظهور مثل هذه الحالات يرجع إلى عدة أنماط منها نمط التنشئة الاجتماعية حيث يتعرض غالبية مرتكبى جرائم العنف الأسرى التى تؤدى إلى القتل لممارسة العنف ضدهم من قبل أحد أفراد أسرتهم أو الأصدقاء فيؤثر فيهم هذا السلوك وينشأ معهم حتى إنهم يمارسونه عند أول فرصة تتيح لهم ذلك.

بالإضافة إلى ذلك هناك مجموعة عوامل نفسية تؤدى إلى العنف الأسرى والنفسى منها الإحباط، الضغط النفسى، عدم الانتماء للأسرة، وتعاطى المخدرات التى تذهب بعقل المتعاطى وتؤثر فى درجة الوعى وفقد السيطرة على تصرفاته حتى ينفصل عن الواقع ويبقى فى حالة ضبابية وبلا شك تتحكم فى سلوكه فتصبح القائد الأول إلى القتل بل وارتكاب جرائم أبشع من ذلك، وأشار هندى إلى أن نسبة المتعاطين للمخدرات بمصر تصل إلى 21 مليون ونصف بين مدمن ومتعاطى ومستخدم، موضحاً أن هناك أيضاً أسباباً بيئية تؤدى إلى العنف منها العشوائيات فهناك أماكن تتسم بالعشوائية والازدحام المرورى ويكثر فيها التلوث السمعى والبصرى وبالتالى الأمراض وتلك عوامل مثيرة للأعصاب والضغط النفسى الذى يجعل من العنف أسلوب حياة لدى سكانها بجانب العوامل الاقتصادية كالفقر والبطالة.

وأشار وليد هندى إلى ضرورة نشر أضرار ومخاطر العنف الموجّه تجاه الأطفال وأشكاله وأنواعه، وتوعية الأسرة من خلال وسائل الإعلام والمؤسسات المجتمعيّة؛ كالمؤسسات التعليمية، والمساجد، ودور الشباب. وتشريع القوانين والأحكام الخاصة بالأطفال المتعرضين للعنف بأشكاله وضمان حقوقهم. وتقديم الدعم والمساندة الاجتماعيّة بجميع أشكالها وبأقصى درجاتها لهؤلاء الأطفال الذين يتعرضون للاعتداء والعنف الجنسى، نظراً لشدة تأثير الأضرار التى تُصيب نفسية الطفل واتجاهاته ومستقبله.

حرام شرعاً

والتقط أطراف الحديث الدكتور أحمد متولى سعد الأستاذ بكلية التربية جامعة الأزهر وأوضح حكم الشرع فى قضايا العنف الأسرى ولا سيما ضد الأبناء؛ قائلاً أن الإسلام قد حَرّمَ هذا العنف شرعاً، واهتم ببناء الأسرة ونظم العلاقة بين الزوجين، وبنى الحياة الزوجية على أُسس الأُلفة والمودة والرحمة والتفاهم بين أفراد الأسرة، وعمل على إيجاد العلاقة الأسرية السوية التى تخدم الأبناء لبناء أسرة قوية متماسكة نافعة للمجتمع، فقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أن خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً أن فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، كما أمر الشرعُ الزوجَ بإحسان عِشْرة زوجته، حتى جعل الرسول صلى الله عليه وسلم معيار الخيرية فى الأزواج قائماً على حُسْن معاملتهم لزوجاتهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي»، كما حَثَّ الشرعُ على الرِّفْق فى التعامل بين الأزواج وبين الأبناء، فدعا النبى صلى الله عليه وسلم إلى الرفق فى الأمر كله؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الرِّفقَ لا يَكونُ فى شيءٍ إلا زَانه، ولا يُنْزَعُ مِن شيء إلا شانَه». كما أن الشرع الحنيف قد جعل الآباء مسؤولين عن أبنائهم أمام الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». كما حذَّر الشرع الآباء من الاعتداء على الأبناء بغير حق، وجَعَل ضرْب الآباء لأبنائهم مضبوطاً بضوابط وقيود وبعلل التأديب والتقويم، ولم يبح ذلك إباحة مطلقة خاضعة لهوى الوالدين وشهوتهم ورغبتهم فى الانتقام من بعضهم البعض.

واستكمل حديثه موضحاً أسباب الوصول إلى هذه الحالة الاستثنائية والتى تجاوزت الحدود المقبولة للأزمات فى المجتمعات البشرية كماً وكيفاً، فتعدد حوادث العنف الأسرى تحمل الكثير من الدلالات والأسباب والتى ترتبط بظروف وخصائص المجتمع نفسه، والمتغيرات التى حدثت به. ومن أكثر هذه الأسباب خطراً تدنى التربية الأخلاقية والقيمية وانغماس معظم الأجيال الحالية فى فوضى وسائل الاتصال وشبكة الإنترنت، ومن الأسباب أيضاً ضعف دور المؤسسات الدينية، وضعف الوازع الدينى، والتقصير فى العبادات، واتباع الهوى والشهوات ووساوس الشيطان؛ والتى قد تدفع الأب أو الأم إلى استخدام العنف واستباحة حرمة الدماء ضد أبناءهم، كذلك من أخطر الأسباب وسائل الإعلام ولاسيما الدراما التليفزيونية والتى كان لها أكبر الأثر فى انتشار مثل هذه الحوادث؛ حيث تُقدِم مضموناً هابط القيمة، وتُروِج للعنف والإجرام والقتل فى الكثير من المشاهد، والتى تُؤثِر على عقلية ونفسية وسلوك المشاهدين فى تقليد العنف والقتل ومحاكاته.

وأشار الأستاذ بكلية التربية بجامعة الأزهر إلى كيفية مواجهة العنف الأسرى وتفشى حوادث العنف ضد الأبناء والحد منها، فلابد من إرساء قيم المشاركة بين المؤسسات المختلفة فى المجتمع، لأن الواقع يتطلب أن يخرج الحل من المجتمع ككل ولا تنفرد به مؤسسة معينة دون أخرى مع التركيز على اتخاذ تدابير وقائية وعلاجية؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن مواجهة هذه الحوادث والحد منها من خلال تفعيل دور المؤسسات الدينية؛ فالدين عنصر أساسى لضبط السلوك الإنسانى ويحميه من الذلل فى تفكيره وعواطفه وسلوكه، ويحميه من الوقوع فى حرمة قتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، ومن ثم نحن فى حاجة إلى بناء نظرية تربوية إسلامية معاصرة؛ لأن الإسلام هو دستور كامل وشامل للحياة ينظم حياة الفرد والمجتمع ويهتم بجوانب الفرد الشخصية، والاجتماعية، والنفسية، والعقلية، والأخلاقية، والروحية، والإيمانية كافة، كما أن الإسلام قد وضع مبادئ شاملة لنبذ كافة السلبيات المجتمعية، كما يمكن مواجهة هذه الحوادث من خلال وسائل الإعلام من حيث الرقابة الكافية على الدراما التليفزيونية ومنع مشاهد العنف والإجرام والقتل فى الأعمال الفنية والدراما التى تُعرَض على الناس وتؤثر بصفة خاصة على سلوكيات الشباب، كما يمكن مواجهة مثل هذه الحوادث بقيام السلطة القضائية بمعاقبة القائم بجريمة العنف ولا سيما القتل فى أسرع وقت دون تأخير أو تسويف؛ وذلك لأن عقاب الجانى جزء من حل المشكلة، كما أن التعتيم عليها قد يساعد غيره أن يعاود فعل مثل هذه الحوادث، كذلك يمكن مواجهة هذه الحوادث من خلال قيام السلطة التشريعية بسرعة سن العديد من التشريعات والقوانين الرادعة التى تسهم فى مواجهة قضايا العنف الأسرى.

أشكال العنف

ومن جانبها، أوضحت داليا نعمان، المحامية بالنقض، أن للعنف الأسرى أشكالاً متعددة منها الإساءة البدنية والنفسية كذلك الاستغلال والإهمال وأخطرها ما يمارس ضد الأشخاص دون الثامنة عشرة من العمر سواء كانت من أحد الأبوين أو غيرهم مثل بعض المؤسسات.

وأشارت إلى كيفية حماية القانون من جرائم العنف التى ترتكب ضد هذه الفئة العمرية، فلا بد من نشر أضرار ومخاطر العنف الموجه ضد الأطفال بكافة طرقه وأشكاله كذلك توعية الأسرة بكل أفرادها من خلال وسائل الإعلام والمؤسسات المدنية ودور الشباب ودور العبادة أيضاً من خلال الخطاب الدينى التنويرى.

وأكدت نعمان على ضرورة تغليظ العقوبات والأحكام الخاصة بمرتكب مثل هذه الأفعال ضد الأطفال خاصة وذلك لضمان حقوقهم وتقديم الدعم النفسى من خلال تنظيم الدورات التأهيلية للأسرة تحديدا (الأب؛ الأم) ذلك لتوضيح مخاطر العنف وما يخلف عنه من تدمير البنية المكونة لإتجاهات هؤلاء الأطفال وتصدير فئة مشوهة داخلياً للمجتمع تكون أيادى غير صالحه للعمل.

واستكملت النعمانى حديثها بضرورة تعديل بعض القوانين الخاصة بالطفل والأسرة والربط فيما يخص حقوق الأطفال من النفقة والتعليم والعلاج على آبائهم الذين تخلوا عن هذا الدور المقدس والواجب فرضاً وشرعاً وقانوناً عليهم، والحيلولة دون تملصهم من هذه المسئولية بتشديد الإجراءات اللازمة من خلال تنفيذ أحكام النفقات وغيرها من الأجور بأكثر من جهة وبالمبالغ المحكوم بها لتوفير احتياجاتهم اللازمة للعيش فى حياة أشبه بحياة كريمة تعفيهم عن السؤال أو اللجوء للعمل فى سن صغيرة وإحساسهم بالدونية عن غيرهم من الأطفال فى مثل سنهم.

وأخيراً يجب على الدولة اتخاذ كل التدابير لحماية هؤلاء الأطفال الذين هم نواة المجتمع المصرى وحمايتهم بالقانون وغيره من كافة أشكال العنف الموجه ضدهم.